شنبه ۲۷ آبان ۱۳۹۶

صفحه اول >> کتاب ها => جامع الشتات (8)



المطلب الخامس

في التعارض. و فيه مباحث:

الأول: لو تداعيا عيناً، فله أقسام عديدة، نقدّم منها صورة واحدة لتكون كالمقدّمة لبيان سایر الأقسام. ثمّ نذكر أقسام التعارض و أحكامها مفصّلاً. و هي أن يتداعيا عيناً ثبت عليها يد أحدهما و كان لكليهما بيّنة. و لا بدّ في تحقيق الحال فيها من تقديم مقدّمة و هو بيان قوله عليه السّلام «البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه». و هذا المضمون قريب من التواتر. و الأخبار فی [سَرَد][1] الطرفين في غاية الكثرة. إنّما الإشكال في معناه، فإنّه اشتبه على كثير من أصحابنا.

و الذي فهمه أكثرهم (كما سيظهر لك في طيّ الاستدلال في هذه المسئلة) تبعاً لرواية منصور الآتية لما يترائىا من ظاهر اللفظ في بادئ النظر [القليل][2] دون غاية النظر، هو أنّ البيّنة مختصّة بالمدّعي و لا یجدي نفعاً للمنكر أصلاً[3]، إلّا في الدماء، أو ما أخرجه الدليل. و اليمين مختصّة بالمنكر لا یفيد و لا یثمر ثمرة في غيره إلّا في الدماء، أو ما يحذو حذوها ممّا خرج بالدليل.

و الأمر ليس كذلك. بل ظاهر هذا الكلام أنّ البيّنة إنّما یجب على المدّعي و لا يكلّف المنكر بتجشّم البيّنة و تكلّفها، [بملاحظۀ ما][4] هو عليه من ظاهر الإسلام و صحّة فعل المسلم. و اليمين أيضاً لا يجب إلّا على المنكر.

و ذلك لا ينافي القاعدة الممهّدة في الاصول «أنّ التفصيل قاطعۀ للشركة». فإنّ [کون] التفصيل [قاطعاً]، إنّما هو في الواجب، لا في الجایز. مع أنّه يمكن السابق[5]، لمّا كان الغالب [فی] الاحتياج إلى الإثبات هو المدّعي، دون المدّعى عليه. فالغرض أنّ البيّنة و اليمين المعهودتين لأجل إثبات حقّ المدّعي إنّما هو بهذا التفصيل؛ فإمّا يأتي هو بالبيّنة و يأخذ حقّه، أو يكلّف المدّعى عليه باليمين فيثبت حقّه بالنكول أو بالردّ، أو ينتفي من ضيق صدره بتحليف خصمه، فينوب ذلك عن حقّه.

فإن قلت: ما ذكرته يستلزم سماع بيّنة المنكر و هو غير معهود.

قلت: تلزمه. و لا غائلة فيه، لا من جهة الأخبار (إلّا رواية منصور و سنجيب عنها) و لا من جهة كلام الأصحاب. إذ لم يصرّح أحد بعدم سماع ذلك. و لا ادّعى أحد الإجماع عليه. بل ذكر جماعة منهم سماعه؛ منهم العلّامة في القواعد و التحرير، و الشهيد في الدروس، و المحقّق الأردبيلي(ره). بل لازم كلام أكثرهم (بل كلّهم) ذلك. فإنّ أدلّتهم و كلماتهم في مقام بيان تعارض البيّنتين ینادي بذلك. فإنّهم تمسّكوا (في مقام تقديم أليد فی ما لو تعارض بيّنة ذي اليد و المدّعي) بأنّهما بيّنتان تعارضا و تساقطا، فيرجع إلى أصالة اليد. و ذلك صريح في أنّ بيّنة كلّ منهما مع قطع النظر عن خصوصيّة موضع التعارض، بيّنة مستقلّة و تواردهما في موارد التعارض استلزم تساقطهما. و ذلك لا يتصوّر إلّا مع صحّة صيرورة كلّ منهما بيّنة في نفسها. و هذا ممّا لا يخفى على من كان له أدنى فطنة[6].

و أيضاً: ذكروا في مقام ترجيح بيّنة ذي اليد انّ لذی الید دليلين؛ اليد و البيّنة. و للمدّعي دليل واحد. و الأوّل أقوى. و دلالة ذلك أيضاً واضحة، كما لا يخفى. و أيضاً:  [تمسّك][7] قدماء الأصحاب في مقام تعارض البيّنتين بترجيح الأعدل، أو الأكثر، أو ما كان مع ذكر السبب، أو تقدّم التاريخ، و نحو ذلك ممّا سيجيئ. و هذه كلّها دالّة على ما ذكرنا. و كذا التمسّك باليد و الاستصحاب كما مرّ.

فيصير حال البيّنتين حال الخبرين المتعارضين. و كما أنّ الخبرين المتعارضين يُعمل فيهما على مقتضى المرجّحات الخارجية، و بدون التعارض كلّ منهما حجّة بنفسه، كذلك ما نحن فيه كلّ واحد من بيّنة ذي اليد و المدّعي، حجّة بنفسه إذا لم يحصل التعارض. و مع التعارض يرجع إلى المرجّحات. فظهر من ذلك صحّة بيّنة ذي اليد لو خلا عن المعارض. و لا ينكره كلام أحد منهم في هذا المقام. بل يقتضيه. نعم؛ من تمسّك برواية منصور المعلّلة بمضمون الحديث المستفيض[8]، يلزمه إنكار ذلك.

و لكنّ هؤلاء المتمسّكين بذلك، أكثرهم اعتبروا ملاحظة السبب و غيره من المرجّحات الخارجة. و ذلك ینافی[9] لبنائهم على عدم صحّة البيّنة من ذي اليد. كما لا يخفى.

مع أنّه يمكن أن يكون وجه التعليل في الحديث، أنّ اللّه تعالى حكم بإعمال بيّنة المدّعي و إحقاق حقّه بمجرّد البيّنة و إن ثبت للمدّعى عليه أيضاً بيّنة. لا أنّه لا يمكن ثبوت حقّ المدّعى عليه بالبيّنة إذا لم يكن للمدّعي بيّنة. بل يمكن أن يكون مراد الأصحاب من هذا الاستدلال أيضاً أنّ عموم الخبر المستفيض يقتضي أنّ مطلب المدّعي یثبت عنه، لأنّ «الأمر يقتضي الإجزاء». فإن كان وجوب إقامة البيّنة للمدّعى عليه، لا يجدي له نفعاً في موضع من المواضع، فلا دليل على أنّه لا يمكن إقامة البيّنة للمدّعى عليه في غير حال التعارض.

فإن قلت: عدم الدليل لا يكفي، بل یجب إقامة الدليل.

قلت: الدليل على ذلك هو الأخبار؛ يظهر لمن تتّبعها. و ذلك من وجوه: الأوّل: العمومات؛ مثل قوله عليهم السّلام «أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة، و يمين قاطعة، و سنّة ماضية»[10]. و مثل ما روي عن كتاب عليّ عليه السّلام أنّه تعالى قال (في جواب نبيّ من الأنبياء شكی إلى ربّه القضاء): «اقض بينهم بالبيّنات و أضفهم إلى اسمي»[11]. و ما في معناها.

الثاني: استقراء الأحكام يقتضي أنّ قول العدلين يدلّ على تحقّق ما قالاه شرعاً في غير صورة الدعاوي أيضاً؛ مثل الحكم بنجاسة الثوب و غيره، عند الأكثرين من دون تحقّق صورة الدعوى. و مثل الإفطار بقول طبيبين عدلين للمريض، و نحو ذلك. فليفرض ما نحن فيه من جملتها.

الثالث: خصوص الأخبار الدالّة على ذلك؛ منها ما رواه الكليني في الصحيح، عن حمّاد بن عثمان: «قَالَ: بَيْنَمَا مُوسَى بْنُ عِيسَى فِي دَارِهِ الَّتِي فِي الْمَسْعَى- يُشْرِفُ‏ عَلَى‏ الْمَسْعَى‏- إِذْ رَأَى‏ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام- مُقْبِلًا مِنَ الْمَرْوَةِ عَلَى بَغْلَةٍ فَأَمَرَ ابْنَ هَيَّاجٍ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ مُنْقَطِعاً إِلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِلِجَامِهِ وَ يَدَّعِيَ الْبَغْلَةَ فَأَتَاهُ فَتَعَلَّقَ بِاللِّجَامِ وَ ادَّعَى الْبَغْلَةَ فَثَنَى أَبُو الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلَام رِجْلَهُ وَ نَزَلَ عَنْهَا وَ قَالَ لِغِلْمَانِهِ خُذُوا سَرْجَهَا وَ ادْفَعُوهَا إِلَيْهِ فَقَالَ وَ السَّرْجُ أَيْضاً لِي فَقَالَ كَذَبْتَ عِنْدَنَا الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ سَرْجُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ- وَ أَمَّا الْبَغْلَةُ فَإِنَّا اشْتَرَيْنَاهَا مُنْذُ قَرِيبٍ وَ أَنْتَ أَعْلَمُ وَ مَا قُلْتَ»[12].و ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره في الحسن (لإبراهيم بن هاشم) عن عثمان بن عيسى، عن حمّاد بن عثمان، جميعاً عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث فدك: «أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَ تَحْكُمُ فِينَا بِخِلَافِ حُكْمِ اللَّهِ فِي الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ لَا قَالَ‏ فَإِنْ‏ كَانَ‏ فِي‏ يَدِ الْمُسْلِمِينَ‏ شَيْ‏ءٌ يَمْلِكُونَهُ ادَّعَيْتُ أَنَا فِيهِ مَنْ تَسْأَلُ الْبَيِّنَةَ قَالَ إِيَّاكَ كُنْتُ أَسْأَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا تَدَّعِيهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَ فَإِذَا كَانَ فِي يَدِي شَيْ‏ءٌ فَادَّعَى فِيهِ الْمُسْلِمُونَ تَسْأَلُنِي الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا فِي يَدِي وَ قَدْ مَلَكْتُهُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِه) وَ بَعْدَهُ وَ لَمْ تَسْأَلِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَوْا عَلَيَّ كَمَا سَأَلْتَنِي الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَيْتُ عَلَيْهِمْ». إِلَى أَنْ قَالَ: «وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِه) الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَ الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»[13]. و رواه الطبرسي أيضاً في الاحتجاج[14].

وجه الدلالة: أنّه لو كان إقامة بيّنة المنكر بلا فائدة و غير مجوّزة أصلاً، لكان ينبغي له أن يجادل به مع أبي بكر. فإنّ المقام مقام ذلك، بل هو أولى. كما لا يخفى.

و یؤيّده رواية حفص بن غياث أيضاً، و ما رواه الصدوق في العلل عن محمّد بن سنان (في ما كتب من جواب مسائله في العلل): عن الرضا علیه السلام «وَ الْعِلَّةُ فِي‏ أَنَ‏ الْبَيِّنَةَ فِي‏ جَمِيعِ‏ الْحُقُوقِ‏ عَلَى‏ الْمُدَّعِي‏ وَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا خَلَا الدَّمَ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ جَاحِدٌ وَ لَا يُمْكِنُهُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْجُحُودِ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ وَ صَارَتِ الْبَيِّنَةُ فِي الدَّمِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ حَوْطٌ يَحْتَاطُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ لِئَلَّا يَبْطُلَ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَ لِيَكُونَ ذَلِكَ زَاجِراً وَ نَاهِياً لِلْقَاتِلِ لِشِدَّةِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ (عَلَى الْجُحُودِ) عَلَيْهِ لِأَنَّ مَنْ يَشْهَدُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ قَلِيلٌ وَ أَمَّا عِلَّةُ الْقَسَامَةِ أَنْ جُعِلَتْ خَمْسِينَ رَجُلًا فَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّغْلِيظِ وَ التَّشْدِيدِ وَ الِاحْتِيَاطِ لِئَلَّا يَهْدِرَ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ».

و يظهر من هذا الحديث وجه ما ذكر من أنّ الحديث المستفيض وارد مورد الغالب فی الغالب في المنكر، لأنّه لا يمكن إقامة البيّنة على النفي. فإذا كان العلّة في عدم إيجاب البيّنة على المدّعى عليه، هو عدم الإمكان إلّا في قليل، فلا ينافيه ثبوته و جوازه في صورة الإمكان و إن لم يكن واجباً عليه.

بل و يمكن الاستدلال على المطلوب بالأخبار الواردة في حكم تعارض البيّنتين فنذکر الأخبار فلاحظها، فهذه الأخبار أيضاً دليل على ما ذكرنا سيّما صحيحة أبي بصير الآتية.

فإن قلت: فما فائدة البيّنة لذي اليد إذا حكمنا له بمجرّد اليد-؟.

قلت: له فوائد كثيرة؛ منها دفع اليمين عن نفسه إذا خاصمه المدّعي و [تسجيل][15] الحاكم لذلك إذا شهد البيّنة قبل المخاصمة. قال العلّامة(ره) في القواعد في البحث الرابع من [المقصد][16] الثامن في متعلّق الدعاوي: «و لو أراد إقامة البيّنة قبل ادّعاء من ينازعه للتسجيل، فالأقرب الجواز. و لو أقام بعد الدعوى لإسقاط اليمين جاز»[17]. و يظهر من ذلك أنّ الحكم الثاني كان واضحاً و معروفاً. فخصّ الأقربيّة بصورة عدم التداعي.

و قال فخر المحقّقين: «وجه القرب أنّه غرض مقصود لأنّه حافظ للحقّ على تقدير موت الشهود، و هذا التقدير ممكن في كلّ وقت. فاقتضت الحكمة الإلهيّة جعل طريق إلى إثبات الحقّ. و يحتمل العدم، لأنّه ليس بغريم حقيقة و لا [تداعي] حقيقيّ بينهما». انتهى[18]. و يظهر من التعليل الأخير، أنّه لم يفهم من الخبر المستفيض ما فهموه و إلّا لكان أولى بالاستدلال. و يظهر منه أيضاً أنّه لا إشكال في الصورة الثانية أعني بعد الدعوى.

و قال في الدروس: «الأقرب سماع بيّنة الداخل للتسجيل و إن لم يكن خصم. و كذا لدفع اليمين عنه. كما في دعوى الودعيّ الردّ، فإنّها مقبولة بيمينه و مع ذلك تسمع بيّنته لدفع اليمين»[19]. و قال في التحرير: «فإن قلنا بتقديم بينة ذي اليد (یعنی فی صورۀ التعارض) فهل تسمع دعواه و بينته للتسجيل قبل ادعاء الخصم، لا أعرف لأصحابنا نصّاً في ذلك. و منع أكثر الجمهور منه. إذ لا بينة [إلا على خصم، فطريقه: أن ينصب لنفسه خصما. و الأقرب عندي سماع بينته لفائدة التسجيل. و لو كان له خصم لا بينة] له، فأراد إقامة البينة لدفع اليمين عنه، فيه احتمال أنها لا تسمع، إذ الأصل في جانبه اليمين، و إنما يُعدل إلى البينة حيث لا یكفيه اليمين. و الوجه عندي السماع، كما تسمع بينة المودع و إن قدر على اليمين»[20].

و قال المحقّق الأردبيلي(ره)- بعد ذكر صور عدم البيّنة من أقسام التداعي-: «هذا إذا لم یكن بيّنة، فإن كان هناك بيّنة فإن كانت لأحدهما حكم له بها. لأنّها حجّة شرعية». و دلالته على ما ذكرنا واضحة. و قال المحقّق ابن فهد في المهذّب: «في صورة انفراد أحدهما بالبيّنة، قضي له، متشبثين [كانا] أو أحدهما، أو خارجين قولاً واحداً. فإنّ [الظاهر] أنّه يقضى له بسبب البيّنة، و أنّه لا خلاف فيه»[21].

إذا تمهّد هذا: فنقول: إذا تداعيا عيناً و هي في يد أحدهما، و أقاما البيّنة؛ ففيه أقوال مختلفة، أكثرها لا يرجع إلى محصّل. فمنها: ترجيح الخارج، سواء شهدت البيّنة من الجانبين بالملك المطلق، أو المقيّد بالسبب، أو بالتفريق. و هو مذهب الشيخ في كتاب البيوع من الخلاف، و الصدوقين، و سلّار، و ابن فهد، و ابن زهره و الكيدري، و ابن إدريس. و لكن الصدوق اعتبر تقديم أعدل البيّنتين، و مع التساوي يقدّم الخارج.

و منها: ترجيح الداخل، مطلقين كانا أو مقيّدين. و هو قول الشيخ في كتاب الدعاوي من الخلاف.

و منها: تقديم الخارج مع إطلاقهما، و تقديم المنفرد [بالسبب][22] منهما. و هو مضمون كلام النهاية ساكتاً عن حكم المقيّدين، و لعلّه أيضاً حكمه عند[ه] تقديم الخارج. و هو مختار العلّامة و المحقّق و الشهيد في شرح الإرشاد.

و منها: ترجيح الداخل إن شهدت [البيّنة][23] بسبب الملك؛ من بيع، أو هبة، أو معاوضة. و سواء شهدت بيّنة الخارج بالسبب أم لا. و ترجيح الخارج في غيرها. و اختاره الشيخ في جملة من كتبه، و ابن البرّاج و جماعة من الأصحاب. و يظهر من الصدوق [ترجيح][24] بيّنة الداخل مع السبب إذا كان الخارج بلا سبب.

و منها: ترجيح الأعدل من البيّنتين، و الأكثر عدداً مع تساويهما في العدالة، مع [السّببین][25]. و مع التساوي يُقضى للخارج. و هو قول المفيد(ره).

و منها: الفرق بين «السبب المتكرّر» كالبيع. و «غير المتكرّر» كالنتاج و نساجة الثوب. كما ذهب إليه ابن حمزة.

و احتجّ القائل بتقديم ذي اليد؛ بما رواه العامّة عن جابر أنّ رجلين [اختصما] عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في دابّة أو بعير، و أقام كلّ واحد منهما بيّنةً أنّه أنتجها. فقضى بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للذي في يده».

و ما رواه أصحابنا في الموثق[26]، و ما رواه إسحاق بن عمّار في القوي: [عن ابی عبد الله] عليه السّلام، أَنَ‏ رَجُلَيْنِ‏ اخْتَصَمَا إِلَى‏ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي دَابَّةٍ فِي أَيْدِيهِمَا وَ أَقَامَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا نُتِجَتْ عِنْدَهُ فَأَحْلَفَهُمَا فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا وَ أَبَى الْآخَرُ أَنْ يَحْلِفَ فَقَضَى بِهَا لِلْحَالِفِ فَقِيلَ لَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَقَالَ أُحْلِفُهُمَا فَأَيُّهُمَا حَلَفَ وَ نَكَلَ الْآخَرُ جَعَلْتُهَا لِلْحَالِفِ فَإِنْ حَلَفَا جَمِيعاً جَعَلْتُهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ قِيلَ فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَ أَقَامَا جَمِيعاً الْبَيِّنَةَ قَالَ أَقْضِي بِهَا لِلْحَالِفِ الَّذِي فِي يَدِهِ»[27]. و في الكافي بعد قوله «إلى أمير المؤمنين عليه السّلام» زيادة «في دابّة في أيديهما، و أقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّها نتجت عنده، فأحلفهما»[28]

[فأحلفهما] علي عليه السّلام، بالأصل و الاستصحاب. و أنّ اليد دليل آخر. ولذي اليد دليلان، و للخارج دليل واحد. و لأنّ البيّنتين تعارضا و تساقطا، فبقي العين في يد صاحب اليد بلا بيّنة للمدّعي.

و احتجّ من قدّم الخارج؛ بعموم قوله عليه السّلام في الخبر المستفيض «البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه»، فإنّ التفصيل قاطع للشركة. و برواية منصور: «قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام رَجُلٌ‏ فِي‏ يَدِهِ‏ شَاةٌ فَجَاءَ رَجُلٌ فَادَّعَاهَا فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ الْعُدُولَ أَنَّهَا وُلِدَتْ عِنْدَهُ وَ لَمْ يَهَبْ وَ لَمْ يَبِعْ وَ جَاءَ الَّذِي فِي يَدِهِ بِالْبَيِّنَةِ مِثْلِهِمْ عُدُولٍ أَنَّهَا وُلِدَتْ عِنْدَهُ لَمْ يَبِعْ وَ لَمْ يَهَبْ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع) حَقُّهَا لِلْمُدَّعِي وَ لَا أَقْبَلُ مِنَ الَّذِي فِي يَدِهِ بَيِّنَةً لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّمَا أَمَرَ أَنْ تُطْلَبَ الْبَيِّنَةُ مِنَ الْمُدَّعِي فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَ إِلَّا فَيَمِينُ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ هَكَذَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ»[29]. و بأنّ بيّنة الداخل مؤكّد، و بيّنة الخارج مؤسس، و التأسيس أولى من التأكيد.

و مستند المفصّلين؛ الجمع بين الأدلّة.

و تحقيق المقام: أنّ النزاع في هذه المسألة، إمّا مبنيّ على منع مشروعية بيّنة الداخل و إعمالها رأساً (كما یشعر به رواية منصور). و إثباتها. أو في ترجيح بيّنة الداخل على الخارج مع تسليم صحّتها و حجّيتها في الجملة.

فإن كان النزاع مبنيّاً على الأوّل، فلا ريب في ضعف قول من رجّح بيّنة الخارج بهذا المعنى. و لا بدّ من توجيه رواية منصور بما قدّمنا، و مع ذلك يناقض كلمات أكثر هؤلاء فإنّهم قيّدوها بما إذا كان ذا السبب و لم تكن بيّنة الداخل ذا السبب. و ذلك ينافي صحّة بينة الداخل رأساً، مضافاً إلى ما بيّنّا بطلان هذا القول بما لا مزيد عليه، في المقدّمة.

و إن كان مبنيّاً على الثاني (كما هو الظاهر من كلماتهم و المستفاد من الأخبار) فيكون الكلام في إثبات أنّ «ذی اليد أقوى في ترجيح ما وافقها من البيّنة»؟ أو «موافقة الخبر المستفيض أقوى لما وافقه من البيّنة»؟ فالنزاع يرجع إلى أنّ اليد هل هي مرجّحة أم لا؟-؟ و هذا الذي هو الظاهر من الأخبار و الأقوال و الأدلّة. فالنزاع في هذا المرجّح الخاصّ لا ينافي مراعات سایر المرجّحات أيضاً. فلعلّ كلامهم في ذلك سوق بمراعات سایر المرجّحات. كما ترى كلمات القدماء مشحونة بمراعات الأعدلية و الأكثرية و تقدم التاريخ، و غير ذلك ثمّ تقديم الخارج أو الداخل. فلاحظ كلام الصدوق و المفيد و ابن الجنيد و غيرهم.

فالظاهر أنّ النزاع في ترجيح بيّنة الداخل و الخارج، إنّما هو بعد كون البيّنتين متساويتين من سایر الوجوه، كما يستفاد من إطلاقات سایر الأخبار الحاكمة بالقرعة، أو مراعات الأعدليه و الأكثرية ثمّ القرعة. و هكذا.. فكأنّ النزاع في هذه المسئلة يرجع [إلى] أنّ اليد و منافيها أيضا، من المرجّحات؟ و تُقدّم اعتبارها، و اعتبار منافيها، على القرعة أم لا؟-؟ فيظهر من بعض القدماء، العدم. مثل ظاهر إطلاق كلام ابن أبي عقيل، فإنّه [قال] بالقرعة أوّلاً. و من الآخرين ملاحظة ذلك، فإنّهم جعلوا القرعة في ما لو لم يكن مرجّح من جهة اليد أو منافيها. و الظاهر أنّ الأخبار المطلقة الواردة في القرعة، أيضاً مقيّد بمراعات المرجّحات، أولاً؛ من الأعدلية و الأكثرية. كما هو مصرّح به في مقيّداتها.

نعم: أكثر المتأخّرين لم يذكروا تلك المرجّحات إلّا في مسئلة كون اليدين خارجتين. و لعلّ الّسرّ في ذلك أنّ منظورهم في هذا المقام بيان نفس كون اليد مرجّحة أم لا. لا الإحاطة بجميع وجوه التراجيح. و يظهر ما ذكرنا (من أنّ مراد المتأخّرين أيضاً ذلك) من كلام ابن فهد(ره) في المهذّب. فتحقّق لك ممّا ذكرنا أنّ حقيقة النزاع في هذه المسئلة [یرجع] إلى كون اليد جّحةً [کالبيّنة][30] أم لا.

ثمّ: إن جعلنا البيّنة كالخبر (بأن يرجع في تراجيحها إلى ما يورث ظنّاً أقوى من الظنّ الآخر سواء ورد بذلك المرجّح نصّ أم لا- كما هو الأظهر- و المعتبر في نظرهم في باب الجرح و التعديل و غيره) فيسهل الأمر في اعتبار ملاحظة السّبب، و تقدّم التاريخ و غيرهما. و إن اقتصرنا في البيّنات على المرجّحات التي ورد بها النصّ، فلا بدّ من الاقتصار بما دلّ الدليل عليه. و يدلّ على مراعات مطلق المرجّح، أنّ ترجيح المرجوح قبيح كالترجيح بلا مرجّح. فالظنّ الأقوى أولى بالعمل من الظن الأضعف.

فالبحث يمكن أن يقع في مقامين: الأوّل: في ترجيح النصوص التي ذكروها من الطرفين على كون اليد مرجّحاً، أو خلافها[31]. و الثاني: أنّه هل الراجح في صورة وجود البيّنة على الطرفين، العمل باليد، أو بمنافيها؟-؟ و یتفاوت المقامات بحسب الاستدلال، فما يناسب المقام الثاني، كون قول ذي اليد معتضداً بالأصل و الاستصحاب. و أنّ البيّنتين تعارضتا و تساقطتا، و بقي اليد سالماً. مضافاً إلى الروايات المتقدّمة. و من الطرف الآخر، كون بيّنة الخارج مقرّراً و موافقاً للحديث المشهور، و نحو ذلك.

و ممّا يناسب المقام الأوّل، أن يرجع إلى الوجوه المرجّحة، للأدلّة المذكورة لكون الید حجۀ أو خلافها. [فممّا][32] يرجّح الأوّل كون رواية غياث أقوى سنداً و معتضداً بإطلاق قويّة إسحاق‌ بن عمّار، و موافقاً للأصل و الاستصحاب، و كون رواية منصور ضعيفة لاشتراك منصور و محمّد بن حفص[33]، و عدم وضوح دلالة الخبر المستفيض كما بيّنّاه في المقدّمة. و بذلك يظهر ضعف آخر في رواية منصور[34].

و أمّا التوجيه الذي ذكرنا لرواية منصور، فمع أنّه خلاف الظاهر و لا يصحّ الاحتجاج به، معارض بأنّ عموم ما بيّنّا من الأدلّة على صحّة بيّنة ذي اليد مطلقا، أيضاً يقتضي قبولها مطلقا. فلا بدّ من الرجوع إلى المرجّحات الخارجة. مع أنّ بيان السنّة المتواترة بخبر الواحد، محلّ كلام معروف، كتخصيصه به.

و أمّا القول بأنّ ضعفها منجبر بالعمل؛ ففيه: أنّ العمل على إطلاقها ليس بذلك الكثرة حتّى يجبر ضعفها، او تقيدها بذات السبب يخرجها عن إطلاقها، مع أنّه لا معنى لاعتبار السبب فيها، لكونه موجوداً في جانب ذي اليد أيضاً. مع أنّ خبر غياث أيضاً مع التقييد، معمول به عند كثير من الأصحاب. و الظاهر أنّ اعتماد من عمل بخبر منصور إنّما هو على العلّة المستفاد منه، فمعتمدهم في الحقيقة هو الخبر المستفيض. و قد بيّنّا عدم دلالتها على مرادهم بما لا مزيد عليه. و قد ظهر بذلك اندفاع وجه ترجيحها من جهة أنّها معلّلة. مع أنّ ظاهر رواية غياث أيضاً التعليل.

و حينئذ فالأظهر بالنظر إلى العقل و النقل، هو العمل على بيّنة الداخل بعد تساويها مع غيرها من سائر الوجوه المرجّحة.

و أمّا التفصيل بملاحظة السبب و غيره: فلا يستفاد من الجمع بين الأخبار، كما هو ظاهر. فإنّ رواية غياث و رواية منصور، كلاهما واردتان في السبب. فتنزيل إحدهما على ذي السبب و الأخر على غيره، ممّا لا وجه له. فإن كان ذكر السبب و تقدم التاریخ و أمثال ذلك مرجّحاً، فهو معنى خارج عما نحن فيه، سابق على ملاحظة اليد و خلافهما[35].

و أمّا ما ذكر من ترجيح التأسيس على التأكيد؛ فهو بمعزل عن التحقيق. و لا ريب أنّ «المقرِّر» أقوى من [«النافی»][36]. و كون التأسيس أفيد في مقام إظهار البلاغة، لا يوجب ترجيح البيّنة الموافقة للتأسيس، كما هو واضح.

و ربّما يقال: إنّ رواية غياث بن إبراهيم و ما في معناها، محمولة على التقيّة لشهرتها بين العامّة. و فيه: أنّه غير معلوم فإنّ إسحق بن عمّار كوفي، و غياث بن إبراهيم أيضاً ساكن الكوفة، و إن كان في الأصل بصريّاً. و تقية أهل الكوفة غالباً من الحنفية، فإنّ مدار أهل الكوفة في زمان الصادق عليه السّلام، كان فتاوي أبي حنيفة. مع أنّ الشيخ قال في الخلاف: «و تحقيق الخلاف مع أبي حنيفة: هل تسمع بيّنة الداخل أو لا؟ عندنا و عند الشافعي تسمع، و عنده لا تسمع»[37]. فهذا يدلّ على أنّ عدم السماع أوفق بمذهبهم[38].

و إن شئت؛ أذكر لك عبارة واحد من علمائنا يصحّ لك أن تظنّ الذي [اخترناه] أخذنا منهم، و یتحقّق لك حقيقة ما بيّنّا. و هو المحقّق في الشرایع، قال: «يقضى منها للخارج دون [المتشبّث][39]، إن شهدتا لهما بالملك المطلق. و فيه قول آخر ذكره في الخلاف، بعيد. فلو شهدتا بالسبب، قيل يقضى لصاحب اليد، لقضاء عليّ عليه السّلام في الدابّة. و قيل يقضى للخارج، لأنّه لا بيّنة على ذي اليد، كما لا يمين على المدّعي. عملاً بقوله عليه السّلام و اليمين على من أنكر، و التفصيل قاطع للشركة. و هو أولى. أمّا لو شهدت للمتشبّث بالسبب و للخارج بالملك المطلق، فإنّه يقضى لصاحب اليد سواء كان السبب ممّا لا يتكرّر كالنتاج و نساجة الثوب الكتان، أو يتكرّر كالبيع و الصباغة[40]. و قيل بل يقضى للخارج و إن شهدت [بيّنته][41] بالملك المطلق، عملاً بالخبر. و الأوّل أشبه»[42]. انتهى.

فإنّ اختياره أوّلاً ترجيح الخارج (و لو كانا مسبّبتين، اعتماداً على أنّ التفصيل قاطع للشركة) يقتضي أنّه لا یسمع بيّنة المدّعي [علیه]، لأنّه لم يرد به شرع. و ما روي عن عليّ عليه السّلام، لا يثبت ذلك، لعدم مقاومته للخبر المستفيض القاطع للشركة. ثمّ اختياره ترجيح الداخل إذا كان ذا السبب مع كون بيّنة الخارج مطلقة، يقتضي جواز سماع البيّنة [الداخل]. و هو مناقض للأوّل.

فإن قلت: إنّ ذلك تخصيص العام، فكأنّه قيل «لا یسمع بيّنة للمدّعي [علیه] أبداً، إلّا في ما‌ كان بيّنته ذات السبب، و بيّنة الخارج مطلقة».

و فيه ما مرّ من عدم الدليل على ذلك. إذ رواية غياث متضمّنة لكون البيّنتين [مسبّبتين][43]. و القول بأنّ ذلك كلام في ترجيح البيّنتين من جهة المرجّحات مع قطع النظر عن البحث و الإشكال في كون بيّنة الداخل ممّا ورد به الشرع أم لا، و بعد جعل وقوع ذلك في الشريعة مفروغاً منه. مدفوع بأنّ ذلك يناقض الاستدلال بالخبر المستفيض، كما تقدّم منه. و ذلك رجوع إلى المرجّحات الخارجيّة، لا كلامٌ في مسئلة كون اليد مرجّحة أم لا.

و بالجملة: القول بالتفصيلات المذكورة، لا يناسب [كون] محلّ النزاع في المسئلة، ترجيح الداخل و الخارج بنفسها. بل المسئلة لا بدّ أن تدور على أقوال ثلاثة:

ترجيح الداخل، للأصل و الاستصحاب و رواية غياث و ما في معناها كما يظهر من بعضهم.

و ترجيح الخارج، کما یظهر إمّا لمنع مشروعية بيّنة الداخل (لما فهموه من الرواية و رواية منصور) و إمّا لما وجّهنا به المقام من كون مرادهم أنّ عموم الخبر المستفيض يدلّ على أنّ المدّعي إذا أقام البيّنة فثبت مدّعاه فلا يبقى مجال لثبوته لذي اليد أيضاً.

و التوقف؛ كما يظهر من الشهيد(ره) في الدروس.

و هذه التفصيلات لا بدّ أن يكون منشأها تنزيل الأخبار المختلفة و الأدلّة المتعارضة، على مقتضاها؛ مثلاً من كان مذهبه ترجيح الخارج، لما رأى خبر غياث دالّاً على ترجيح الداخل، حملها على ذي السبب. فيكون ذلك حوالة على المرجّح الخارجي، يعني أنّ المرجّح الخارجي هو الذي صار سبباً لحكم الإمام عليه السّلام بتقديم الداخل و إن كان الداخلية[44] بنفسه لا یقتضي ذلك. و هكذا.. فبهذا لا يحصل قول آخر في المسئلة بل هذا تأويل للخبر و تنزيل له لئلّا يناقض كلامهم في المسئلة. و قس على ذلك ما لم نذكر. و فهم جميع ما ذكرنا يحتاج إلى تأمّل عميق و نظر دقيق. وفّقنا اللّه سلوك سبيل التحقيق.

بقي الكلام في «وجوب اليمين على القول بتقديم الداخل على ذي اليد». و إليه ذهب العلّامة في القواعد. و عن الشيخ في المبسوط، عدمه. قال المحقّق ابن فهد(ره) و نِعمَ ما قال: «و التحقيق أنّ البيّنتين هل یتساقطتان و يرجع إلى الأصل و هو الحكم للداخل-؟ أو يقضى بالبيّنة التي حكمنا بترجيحها؟ فعلى التساقط يفتقر إلى اليمين. و على عدمه لا يحتاج إليها، لأنّ مع عدم التساقط و رجحان البيّنة، يعمل بها. كما لو تعارض خبران و أحدهما راجح یعمل بالراجح و يسقط الآخر، فكذلك البيّنة الراجحة يعمل بها و یسقط الاُخرى»[45]. انتهى.

و لا ريب أنّ الاحتياط في اليمين. كما هو مقتضى رواية إسحق بن عمّار. إذ لو لم يثبت رجحان خبر غياث و ما في معناها، فلم يثبت رجحان خبر منصور و ما في معناها. فتساقط الحجّتان. فإن لم نقل بكون الاستصحاب مرجّحاً لليد، فتتساقط البيّنتان أيضاً، فيرجع إلى الأصل، و لا بدّ حينئذ من اليمين. و یدلّ عليه الأخبار الآتية أيضاً.

و لكن يشكل المقام من وجه آخر؛ و هو أنّ المرجّحات المذكورة في الأخبار (من الأعدليه، و الأكثرية، و غيرهما، المتداولة في ألسنة القدماء في محلّ النزاع، المهجورة عند المتأخّرين، مع احتمال عدم المخالفة بينهم أيضا كما أشرنا) و إن كنّا قد التزمنا إعمالها في ما نحن فيه و [بنينا][46] على أنّ التكلّم في حكم اليد، بعد المساوات في الأمور المذكورة. لكن يبقى الإشكال في أنّ بعض الأخبار دالّ على لزوم القرعة و الحلف عند تعارض البيّنتين. و هو ينافي ترجيح الداخل أو الخارج. و لا مناص عن ذلك إلّا بحملها على ما لو كانا خارجين أو كان يدهما عليه على وجه[47].

فلنذكر الأخبار الواردة في هذا الباب حتّى يتّضح لك أكثر المطالب المتقدّمة و المطالب الآتية. فروى الكلينيّ و الشيخ في الصحيح، عن أبي بصير:«قال سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَام عَنِ‏ الرَّجُلِ‏ يَأْتِي‏ الْقَوْمَ‏ فَيَدَّعِي‏ دَاراً فِي أَيْدِيهِمْ وَ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ وَ يُقِيمُ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ وَرِثَهَا عَنْ أَبِيهِ وَ لَا يَدْرِي كَيْفَ كَانَ أَمْرُهَا قَالَ أَكْثَرُهُمْ بَيِّنَةً يُسْتَحْلَفُ وَ تُدْفَعُ إِلَيْهِ وَ ذَكَرَ أَنَّ عَلِيّاً عَلَيْهِ السَّلَام أَتَاهُ قَوْمٌ يَخْتَصِمُونَ فِي بَغْلَةٍ فَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ لِهَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ أَنْتَجُوهَا عَلَى مِذْوَدِهِمْ وَ لَمْ يَبِيعُوا وَ لَمْ يَهَبُوا [وَ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ لِهَؤُلَاءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ‏] فَقَضَى عَلَيْهِ السَّلَام بِهَا لِأَكْثَرِهِمْ بَيِّنَةً وَ اسْتَحْلَفَهُمْ قَالَ فَسَأَلْتُهُ حِينَئِذٍ فَقُلْتُ أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ الَّذِي ادَّعَى الدَّارَ قَالَ إِنَّ أَبَا هَذَا الَّذِي هُوَ فِيهَا أَخَذَهَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَ لَمْ يُقِمِ الَّذِي هُوَ فِيهَا بَيِّنَةً إِلَّا أَنَّهُ وَرِثَهَا عَنْ أَبِيهِ قَالَ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا فَهِيَ لِلَّذِي ادَّعَاهَا وَ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا»[48]. و رواها الصدوق أيضاً مع تقدم و تأخّر إلى قوله «و استحلفهم». مع زيادة «و يقيم البيّنة» بعد قوله «فيدّعي داراً في أيديهم»[49]. و روى الصدوق بسنده عن عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه (و هو صحيح كما في الخلاصة) قال: «قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَام‏ كَانَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا أَتَاهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ بِشُهُودٍ عِدَّتُهُمْ سَوَاءٌ وَ عَدَالَتُهُمْ سَوَاءٌ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى أَيِّهِمَا تَصِيرُ الْيَمِينُ‏ وَ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَ رَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ مَنْ كَانَ الْحَقُّ لَهُ فَأَدِّهِ إِلَيْهِ ثُمَّ يَجْعَلُ الْحَقَّ لِلَّذِي تَصِيرُ الْيَمِينُ‏ عَلَيْهِ‏ إِذَا حَلَف‏»[50]. و رواه الكليني و الشيخ أيضاً[51]. و روى الكليني و الشيخ عن داود بن سرحان: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَام‏ فِي‏ شَاهِدَيْنِ‏ شَهِدَا عَلَى‏ أَمْرٍ وَاحِدٍ وَ جَاءَ آخَرَانِ فَشَهِدَا عَلَى غَيْرِ الَّذِي (شَهِدَا عَلَيْهِ) وَ اخْتَلَفُوا قَالَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَأَيُّهُمْ قُرِعَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَ هُوَ أَوْلَى بِالْقَضَاء»[52]. و رواه الصدوق أيضاً بسنده إلى داود بن سرحان (و هو صحيح أيضاً كما في الخلاصة) عنه بأدنى تغيير. في اللفظ[53].

و روى الشيخ في الصحيح عن الحلبي: «قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَام عَنْ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى أَمْرٍ وَ جَاءَ آخَرَانِ فَشَهِدَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَاخْتَلَفُوا قَالَ‏ يُقْرَعُ‏ بَيْنَهُمْ‏ فَأَيُّهُمْ‏ قُرِعَ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ وَ هُوَ أَوْلَى بِالْحَق»[54]. و روى عن سماعة قال: «إِنَ‏ رَجُلَيْنِ‏ اخْتَصَمَا إِلَى‏ عَلِيٍ‏ عَلَيْهِ السَّلَام فِي دَابَّةٍ فَزَعَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا نُتِجَتْ عَلَى مِذْوَدِهِ وَ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً سَوَاءً فِي الْعَدَدِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا سَهْمَيْنِ فَعَلَّمَ السَّهْمَيْنِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَلَامَةٍ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَ رَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ أَيُّهُمَا كَانَ صَاحِبَ الدَّابَّةِ وَ هُوَ أَوْلَى بِهَا فَأَسْأَلُكَ (أَنْ يُقْرَعَ وَ) يخْرَجَ سَهْمُهُ فَخَرَجَ سَهْمُ أَحَدِهِمَا فَقَضَى لَهُ بِهَا»[55]. و رواه الصدوق بسنده عن زرعة عن سماعة (و قد صحّحه العلّامة فی الخلاصۀ) عن ‌الصادق عليه السّلام[56]. فالرواية إذن موثّقة متّصلة بالإمام.

فظهر أنّ أكثر أخبار الباب معتبرة الأسناد، و لا وجه لتضعيفها كما وقع من بعض الأصحاب، و وصفِ بعضها بالإضمار كما وقع عن بعضهم. و لعلّ من قال كذا، كان نظره مقصوراً على يدهما.

[فنقول][57]: أمّا رواية أبي بصير؛ فلم يتعرض فيها لحكم ما لو لم يكن هناك مرجّح من الكثرة و غيرها. فغير مسكوت عنه[58]. و يرجع في حكمه إلى ما قدّمنا في صورة كون أحدهما ذا اليد. و إلى القرعة [کما سيجیئ] في ما كان يدهما عليه، أو كانا خارجين. و أمّا رواية عبد الرحمن (و ما في معناها) الحاكمة بالقرعة؛ فلا بدّ أن تحمل على غير ما لو كان يد أحدهما عليه، لأنّ القرعة إنّما هو في كلّ أمر مجهول أو مشكل، و ذلك ليس كذلك في ما نحن فيه. إذ بعد التساوي في سائر المرجّحات؛ فمن يرجّح اليد، يحكم بها. و [من] يرجّح الخارج، يحكم به. فلا إشكال عند الفرقتين.

نعم: من كان متوقّفاً في ترجيح الداخل و الخارج كالشهيد في الدروس، فيمكنه القول بالقرعة حينئذ. و لكنّه أيضاً مشكل، لأنّه لا یصحّ القرعة في أحكام اللّه تعالى. و إنّما یصحّ القرعة في موضوع الحكم حین حكمنا[59] بصحّة البيّنتين و توقّفنا في ترجيحهما. و من يتوقّف في المسئلة لا يحكم بصحّتهما بل هو متردّد في الحكم.

ثمّ إنّ المرجّحات الّتي ذكروها في مسئلة تعارض البيّنات، ترجع إلى خمسة: اليد، و السبب، و قِدم الملك، و كثرة العدالة، و كثرة العدد. و قد مرّ الكلام في كون اليد مرجّحاً أم لا. و أمّا العدالة و العدد؛ فالظاهر لا ريب في كونهما من المرجّحات. و قد مرّ ما‌ يدلّ عليه من الأخبار. و أمّا ما اشتهر بينهم من تقديم الأعدلية على كثرة العدد، فلم نقف على دليل واضح فيه، إلّا عبارة فقه الرضا و سيجيئ تمام الكلام.

و أمّا السبب: فلم نقف في الأخبار ما يدلّ عليه. نعم لو [بنينا][60] على ما يفيد الظنّ و إن كان غير منصوص، لكان له وجه. سيّما في ما لو لم يكن متكرّراً كالنتاج. و قد يستشعر اعتباره من آخر رواية أبي بصير؛ فقد فرّق فيها بين الشهادة على أنّها ورثها عن أبيها و لا يدري كيف كان أمرها.

تنبيه: قد ذكرنا لك صورة تعارض بيّنة الداخل و الخارج. و لا بدّ أن يعلم أنّ ذلك قد يكون حقيقةً، كما مرّ. و قد يكون بالاعتبار و یلاحظ الحيثيات، كما لو كان يدهما معاً عليها و ادّعياها و [أقاما] البيّنة. و توجيه التعارض هنا بينهما؛ أنّ دلالة بيّنة أحدهما على ما هو مقتضى يده (و هو النصف) داخلية. و على النصف الآخر، خارجية. و دلالة بيّنة الآخر أيضاً هكذا و لكن بالعكس؛ فكلّ ما كان [بيّنة] أحدهما من جهة الدلالة الداخلية، فهو مدلول للدلالة الخارجية بالنسبة إلى بيّنة الآخر. فبيّنته بالنسبة إلى النصف الذي هو مقتضى يده داخلية. و بيّنة صاحبه بالنسبة إلى هذا النصف بيّنة خارجية. و هكذا الكلام في الآخر بالعكس.

فعلى القول بتقديم بيّنة الخارج، يثبت لكلّ منهما [ما] في يد صاحبه. و على القول بتقديم بيّنة الداخل، ما في يده.

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى بيان أقسام التعارض و أحكامها: فنقول: إذا تداعيا عيناً، فإمّا أن یكون في أيديهما على السواء، أو في يد أحدهما، أو في يد ثالث، أو‌ ليس عليه يد أصلاً، أو كان يداهما عليها و ادّعى أحدهما الجميع و الآخر النصف.

أمّا الأوّل: فإن كان لأحدهما بيّنة، قضي له. صرّح به العلّامة من غير تعریض لليمين في القواعد. و ابن فهد في المهذّب، و غيرهما. و هو ظاهر في قبول بيّنة ذي اليد في غير صورة التعارض. و لكنّها لمّا كانت مشتملة على الداخل و الخارج، فيشكل الأمر فيه بناءً على عدم قبول بيّنة الداخل في النصف الداخل (كما اختاره في القواعد) فيتوجّه عليه اليمين من هذه الجهة. و أمّا على ما اخترناه من سماع بيّنة الداخل مطلقا، ففائدته یظهر هنا من سقوط اليمين. و الحاصل أنّ بيّنته من جهة أنّ لها جهة داخلية لا یحتاج إلى اليمين، على المختار. و من الجهة الأخرى اتّفاقاً. و أمّا على القول الآخر، فیحتاج إلى اليمين من جهة الجهة الداخلية و إن لم يكن لأحدهما بيّنة.

و قيل[61]: يقسم بينهما نصفين. و لعلّه لظاهر فعل المسلم. مع عدم وجود المرجّح. و المشهور (بل ذكر في المسالك أنّ الأكثر لم ينقل خلافاً فيه)[62] هو أنّهما يتحالفان، فيحلف كلّ منهما على نفي استحقاق الآخر، ثمّ يقتسمان نصفين. و كذلك إن نكلا جميعاً. و لا يجب عليهما التعرّض في الحلف لإثبات حقّهما. و الظاهر أنّه لو حلف كلّ منهما على أنّه بأجمعه حقّه، أيضاً كان كافياً، لتضمّنه نفي حقّ الغير.

(و نظيره ما تقدّم في حلف المدّعي إذا انقلب منكراً في ما لو ادّعى المنكر الإبراء، أو الأداء. فقد تقدّم أنّه يكفي للمدّعي حينئذ الحلف على بقاء الحقّ. و لكن لا يكفي ذلك في دفع اليمين المردودة لو نكل الآخر. لكونه ملغى حين الحلف، لعدم توجّه اليمين حينئذ بالنسبة إليه).

و إن حلف أحدهما و نكل الآخر، فعلى القضاء بالنكول، يختصّ به الحالف. و على العدم، يحلف [الحالف مرّۀ] أخرى على إثبات حقّ نفسه، بعد ذلك باليمين المردودة، ثمّ يختصّ به. و أمّا إذا كان الناكل هو الأوّل و حلف الثاني، فيجب عليه اليمين لنفي استحقاق الناكل، و يمين أخر لأجل الردّ على إثبات النصف لنفسه.

و ذكر جماعة من الأصحاب أنّه یكفيه يمين واحدة جامعة بين النفي و الإثبات، فيحلف أنّ الجميع له و لا حقّ لصاحبه فيه. أو يقول «لا حقّ له في النصف الذي يدّعيه و النصف الآخر لي». و الأوّل هو مقتضى «عدم تداخل الأسباب». و الظاهر أنّه على القول بالتداخل، يكفي أن يقول «لا يستحقّه إنّما[63] هو حقّي لا غير». و الأحوط التصريح بالنفي و الإثبات. بل تعدّد اليمين.

و هل يتخيّر الحاكم في البدائة باليمين، أو يقرع بينهما، وجهان؛ نظراً إلى أصالة البرائة. و الی عدم المرجّح و القرعة لكلّ أمر مشكل[64]. و فائدته تعدّد اليمين على المبتدئ عند نكول صاحبه. كما مرّ. و وجوب القرعة غير ظاهر من الأدلّة، و عدم المرجّح ممنوع. لأنّ سبق أحدهما بالدعوى يستلزم كون الآخر منكراً بالنسبة إلى الدعوى الأول. فيستحقّ التقديم. كما مرّ. فيبدأ بتحليف الثاني. نعم: ذلك[65] في ما ابتدئا مرّة واحدة.

و لو كان لكليهما بيّنة[66] و تعارضتا، بأن يستلزم العمل بأحدهما تكذيب الأخرى (إذ مع إمكان التوفيق، يجب [الجمع] كما لو [شهدتا] أنّها لهما و هي منقلة عن أحدهما إلى الآخر. أو شهدت إحدهما أنّها كانت بالأمس لزيد، و شهدت الأخر أنّها الآن لعمرو) فقالوا يقضى بهما لهما نصفين. قال في المسالك: إنّه لا إشكال في الحكم بها بينهما نصفين. و اختلف الأصحاب في سبب ذلك؛ فقيل: تتساقط البيّنتين بسبب التساوي [فيبقي] الحكم كما لو لم یكن هناك بيّنة. و على هذا القول، يلزم لكلّ منهما يمين لصاحبه، كما في المسئلة السابقة. و قيل: لأنّ لكلّ واحد منهما مرجّح باليد على [نصفها،] فيبنى على ترجيح بيّنة الداخل، و لا يمين على هذا القول، لأنّ ترجيح البيّنة يقتضي العمل بالراجح و ترك الأخرى، كما في تعارض الخبرين. و قيل. إنّ السبب ترجيح بيّنة الخارج، فيقضى لكلّ واحد منهما بما في يد صاحبه، و لا يمين على هذا [لاستناد][67] القضاء إلى البيّنة الناهضة بثبوت الحقّ من غير حاجة إلى اليمين. و هذا هو الأشهر. و في التحرير قوّى ثبوت اليمين على كلّ منهما مع حكمه بتقديم بيّنة الخارج. و احتمل عدم اليمين. هذا حاصل ما ذكره[68].

و هیهنا إشكال أشار إليه المحقّق الأردبيلي(ره) و صاحب الكفاية(ره) و هو أنّ‌ إطلاق هذا الحكم لا يناسب ما ورد في الأخبار من اعتبار الترجيح بالعدالة و الكثرة، و بأنّ في الأخبار ما يدلّ على القرعة و الحلف بعدها، و قد تقدّم الأخبار. أقول: بل صرّح الشهيد الثاني(ره) في الروضة بأنّه لا فرق هنا بين تساوي البيّنتين عدداً و عدالةً، و اختلافهما[69].

و أقول: قد بيّنّا لك سابقاً أنّ كلام القدماء مشحون باعتبار العدالة و العدد و غيرهما في صورة التعارض بين بيّنة الداخل و الخارج أيضاً و لا وجه لاختصاصه بصورة كونهما خارجتين. و ذكرنا أنّ الظاهر أنّ مراد المتأخّرين ثمّة أيضاً ذلك. فالكلام في ترجيح بيّنة الداخل و الخارج إنّما كان بعد ملاحظة سایر المرجّحات. و لمّا كان هذه المسئلة من فروع تلك المسئلة فاكتفوا هنا بما بنوا عليه الأمر ثمّة. فيلزمهم أن يكون تكلّمهم في ما نحن فيه أيضاً بعد ملاحظة التساوي في سایر المرجّحات.

و الحاصل: أنّا قد بيّنّا لك أنّ تعارض بيّنة الداخل و الخارج، إمّا حقيقي بأن يكون أحدهما داخلاً حقيقةً و الآخر خارجاً كذلك. و إمّا اعتباري و بملاحظة الحيثيات، كما نحن فيه. فملاحظة النزاع في التعارض الاعتباري، متفرّع على الحقيقي. فكلّ صورة يجري فيها هذا التعارض حقيقياً كان أو اعتبارياً، لا بدّ أن يكون الكلام فيه من جهة ترجيح الداخل و الخارج فقط، مع قطع النظر عن سایر المرجّحات، و بعد ملاحظة التساوي فيها. و كلّ صورة لا يجري فيه ذلك، كما لو كانا خارجتين، فلا معنى هنا للإشكال و النزاع في ترجيح الداخل و الخارج. فلذلك ما ‌تعرّضوا لحكم سایر المرجّحات فيه[70]. لا غير[71]. فهذا هو السرّ في أنّ المتأخّرين خصّوا صورة ما لو كان البيّنتان خارجتين، بهذه المرجّحات. لا أنّهم لا يعتبرونها في سایر الصور.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ حكم الشهيد الثاني بعدم الفرق، ليس في محلّه. بل لا بدّ من ملاحظة سایر المرجّحات أوّلاً، ثمّ التوجّه إلى ترجيح الداخل و الخارج الاعتباريين.

ثمّ: إنّ الوجوه الثلاثة الّتي ذكروها[72]، لا إشكال في فهمها، إلّا الصورة الأولى و هو التساقط. و يمكن أن يكون ذلك مبنياً على عدم الترجيح بين الداخل و الخارج، إمّا بالحكم بتساويهما من جهة مساواة دليلهما، أو من جهة التوقّف و التردّد، أو من جهة أنّ المتبادر من الداخل و الخارج هو الحقيقيان، لا الاعتباريان. فلا يندرجان في دليل أصل المسئلة. فيصير من قبيل ما لو كانا خارجين و تساويا من جميع الوجوه المرجّحة بالفرض و تساقطا. فيتّجه الحكم باليمين على هذا الوجه، دون الوجهين الآخرين. إلّا على وجه تقدّم إليه الإشارة.

و لا يبعد ترجيح التساقط و حلفهما جميعاً، لخصوص رواية إسحاق بن عمّار. فإن كان لصحيحة الحلبي و ما في معناها، عموم يشمل صورة ثبوت اليدين معاً، فيخصّص بهذه الرواية. و هذا وجه تقوية العلّامة في التحرير لزوم الحلف. و يمكن إرجاع رواية تميم بن طرفه[73] أيضاً إلى ذلك. و كذا رواية غياث بحمله على ما لو كان يدهما عليه، و تنصيفه بينهما بدون القرعة و بدون التحالف. كما هو أحد القولين في أصل المسئلة. و اختاره المحقّق في الشرائع[74]. و يمكن حمله على ما لو كانا خارجين، بأن يكون ذلك بعد القرعة في الحلف، و نكولهما.

و أمّا الثاني[75]: فإن لم يكن لأحدهما بيّنة؛ فيقضى بها لذي اليد مع يمينه على نفي استحقاق الآخر، لأنّه هو المدّعى عليه. فإن نكل فهو للمدّعي على القول بالقضاء بالنكول، و إلّا فيردّ على المدّعي و يحلف على كونه حتماً له. و إن كان لكليهما بيّنة؛ فقد تقدّم الكلام مفصّلاً فلا نعيد. و إن كان لأحدهما بيّنة؛ فإن كان هو الخارج، فيثبت له من دون يمين، و هو واضح. و إن كان للداخل، فمقتضى ما اخترناه من تقديم الداخل أنّه يقضى له من دون اليمين. كما نقلناه [عن][76] المبسوط في أصل المسئلة.

و قال كثير من الأصحاب: إنّ عليه اليمين، سواء أقام البيّنة أم لا. و هو إنّما يصحّ على القول بعدم قبول بيّنة الداخل، فتكون في حكم الساقط و يجب عليه لعموم‌ قوله عليه السّلام «و اليمين على من أنكر». و لا ريب في أنّه لا يصحّ القول بوجوب اليمين عليه مع البيّنة حينئذ مع القول بسقوط اليمين عنه على القول بقبول بيّنته عند تعارض البيّنتين. و الحاصل: أنّه إذا بنينا على سماع بيّنة المدّعي [علیه]، مطلقا (كما بيّنّاه في المقدّمة) فلا معنى لوجوب اليمين عليه مع الشاهد، سيّما إذا لم یعارضه بيّنة من جانب الخارج.

و أمّا الثالث[77]: فإن لم يكن هناك بيّنة أصلاً؛ فإمّا أن يصدّقهما ذو اليد بأن يقول «هذا لكما» أو «لكلّ منهما نصفه»، أو يصدّق أحدهما، أو ينكرهما بأن ادّعى لنفسه، أو سكت، أو يقول «هي لأحدكما لا أعرف عيناً»، أو «لا أعرف صاحبها اَهو أحدكما أو غيركما». فإن صدّق أحدهما فالمقرّ له في حكم ذي اليد. فيقضى له مع يمينه. و على المصدّق اليمين للآخر على أنّها ليست له. أو على أنّه لا يعرف أنها له (على اختلاف الروايتين كما نقلهما في الإيضاح) فإن امتنع أغرم القيمة لتفويته عليه بإقراره الأوّل. و إن لم يُقض بالنكول فيحلف الآخر و يغرم المصدّق القيمة.

و لو صدّقهما، فهي لهما بعد تحالفهما، أو نكولهما. و مع حلف أحدهما دون الآخر؛ فيظهر حكمه ممّا سبق. و كذلك حلف المصدّق لكلّ منهما و نكوله و غرامته. إذ لكلّ منهما أن يُحلفه على أنّ المجموع ليس له. إما بتّاً أو على نفي العلم.

و أمّا لو أنكرهما و كذّبهما؛ فالقول قوله مع يمينه.

و أمّا لو قال «لأحدكما لا أعرفه عيناً» أو غير ذلك ممّا مرّ؛ فإن ادّعيا عليه العلم‌، يُحلفانه. و إن صدّقاه فلا يمين عليه. و إن صدّقه أحدهما حلف الآخر.

و إن كان لأحدهما بيّنة؛ فإن كان هو المصدّق له، فمقتضى القول بسماع بيّنة الداخل، أنّه يثبت له، و یسقط عنه اليمين. و مقتضى القول الآخر أنّ القول قوله مع يمينه. و إن كان هو الآخر فیكفي بيّنته و لا يمين عليه، لأنّه خارج. و إن كان هو أحد المصدّقين لهما؛ فهو كما لو كان لأحد المتصرّفين الحقيقيين بيّنة، و قد تقدّم حكمه.

و أمّا لو كذّبهما و أنكرهما، فالقول قول ذي البيّنة مع يمينه. و لزوم اليمين إنّما هو لأنّه توجّه دعوى صاحبه عليه بعد استنقاذ العين[78] من يد المتصرّف بالبيّنة، فالآنَ صار صاحب اليد و توجّه إليه دعوى صاحبه. فحينئذ القول قوله مع يمينه. و هذا على القول بعدم سماع بيّنة الداخل، و إلّا فلا يمين.

و إن كان لكليهما بيّنة؛ رجّح ما كان شهوده أعدل. و مع التساوي في ذلك، لمن كان شهوده أكثر، و مع التساوي في ذلك، فيقرع[79]؛ فمن خرج اسمه يحلف و يعطى الجميع. فإن نكل، حلف[80] الآخر (على القول بعدم القضاء بالنكول) و أخذ. فإن امتنعا، قُسّمت نصفين. هذا هو المشهور بين الأصحاب سيّما المتأخّرين منهم. و عن الشيخ في المبسوط أنّه يُقضى بالقرعة إن شهدتا بالملك المطلق. و يقسّم بينهما مع الشهادة بالسبب. و لو اختصّ إحدهما بالتقييد بالسبب قضي بها دون الأخر[81]. و الأخبار مختلفة جدّاً، و لا دلالة في واحد[82] منها على التفصيلين. فإنّ غاية ما يظهر منها الترجيح بسبب العدالة و الكثرة، أمّا تقدّم اعتبار العدالة على الكثرة، فلا يظهر منها. نعم یدلّ عليها عبارة فقه الرضا و عبارة رسالة الصدوق إلى ولده. و لعلّ ذلك مع عمل المشهور يكفي في ذلك. فإنّ الظاهر أنّ فقه الرضا معتمد علی الصدوقين و المفيد و غيرهم من القدماء، [و آرائهم] غالباً مطابق لمضمونه بحيث يظهر أنّهم نقلوه منه.

و أمّا حكاية القرعة: فالأخبار فيها أيضاً مختلفة، فبعضها يدلّ بإطلاقه على القرعة أوّلاً، من دون ملاحظة المرجّحات، كصحيحة الحلبي و صحيحة داود بن سرحان و غيرهما. و بعضها بعد ملاحظة المرجّحات، مثل صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه. و بعضها يدلّ على جعله بينهما نصفين مع حلفهما، من دون تعرّض للمرجّحات و القرعة. مثل رواية إسحق بن عمّار. و بعضها يدلّ على تنصيفها بينهما من دون ذكر المرجّحات و لا الحلف و لا القرعة، مثل آخر موثقة غياث بن إبراهيم و رواية تميم بن طرفة: «أَنَّ رَجُلَيْنِ عَرَفَا بَعِيراً فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً فَجَعَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَام بَيْنَهُمَا». و بعضها [یدلّ] على أنّه بعد تساويهما في العدد، يقرع بينهما، من دون ذكر الحلف، مثل موثّقة سماعة، و في معناها رواية عبد اللّه بن سنان[83].

فبعد الاعتماد على عبارة فقه الرضا، يمكن تتميم تفصيل المشهور، بالجمع بين الأخبار بحمل مطلقاتها على مقيّداتها. و ذلك يقتضي ما ذكروه. و مقتضى صحيحة أبي بصير أنّ في صورة الترجيح بكثرة العدد، أيضاً يجب الحلف على من بيّنته أكثر. و عمل عليه الصدوق، و الشيخ في النهاية. و ذلك يقتضي عدم كفاية البيّنة و إن كانتا خارجتين. و هو ينافي فتوى الباقين بترجيح الأكثر بعد الأعدل، و القرعة و الحلف بعد التساوي. و يمكن حملها على صورة كون أحدهما ذا اليد، كما هو مورد أوّل الصحيحة. و يبنى ذلك على عدم ملاحظة سایر المرجّحات في ما لو كان يد أحدهما متصرّفة. كما هو ظاهر كلام المتأخّرين. و هو أيضاً لا يتمّ، لأنّه لا معنى حينئذ لوجوب الحلف على [أكثرهما] بيّنة. لأنّ الكثرة إن كانت موجبة لقبول البيّنة فلا حاجة إلى اليمين، و إلّا فلا وجه لاعتبارها.

إلّا أن يقال: إنّها یدفع حجّيّة بيّنة الخصم و إن لم یُثبت مطلب صاحبها. فیتساقطتان و يصير القول قول صاحب الأكثر مع اليمين و إن كان هو الخارج.

و يشكل بمنافاته لقاعدتهم الممهّدة[84]، إلّا أن یجعل الرواية مخصّصةً للقاعدة، و یكون هذه قاعدة مفردة كالرجوع إلى القرعة و الحلف في صورة التساوي. و ظاهر الشهيد في اللمعة عدم الحلف في صورة التساوي و ترجيح كليهما، بل اكتفى فی القرعة[85]. و لعلّه الظاهر من ابن أبي عقيل. و هو مشكل بالنظر إلى الأخبار الكثيرة المعتبرة.

ثمّ: إنّ الأقسام المتقدّمة في الصورة الأولى (من تصديق ذي اليد أحدهما، أو كليهما، أو إنكاره) جارية هیهنا. و لعلّ إطلاقهم هذا التفصيل، مبنيّ[86] على الإغماض عن حكم اليد و خلافها. و نظرهم إنّما كان إلى سایر المرجّحات. فبعد ملاحظة صيرورة أحدهما أو كليهما ذا اليد بسبب تصديق ذي اليد، فيجري فيه ما تقدّم في هذا الباب. إذ قد قدّمنا لك سابقاً أنّه لا يتفاوت الحال عندهم بين كون اليد اعتبارية و بالنظر إلى الحيثيات، أو حقيقية.

و أمّا الرابع[87]: فالظاهر أنّه مثل الثالث (: إذا لم يصدّق أحدهما و لم يدّعيا علمه) فيتقاسمان، أو يتحالفان و يعمل على مقتضى الحلف. هذا إذا لم یكن بيّنة، و لو كان لأحدهما بيّنة فيقضى له. و إن كان لهما بيّنة، فيعمل فيه بمقتضى ما تقدّم. و عبارة الصدوق في الفقيه هكذا: «فإن لم يكن الشيئ في يدي أحد، و ادّعى فيه الخصمان جميعاً، فكلّ من أقام البيّنة فهو أحقّ به. فإن أقام كلّ واحد منهما البيّنة، فإنّ أحق المدعيين من عدل شاهداه. فإن استوى الشهود في العدالة، فأكثرهما‌ شهوداً يحلف باللّه، و يُدفع إليه الشيئ. هكذا ذكره أبي رضی الله عنه في رسالته إليّ»[88].

و هو موافق لعبارة فقه الرضا و لكن يخالفه ظاهر رواية إسحق بن عمّار المتقدّمة. و الأولى العمل على تفصيل المتقدّم في القسم الثالث.

و أمّا الخامس: فإن ادّعى أحدهما الجميع، و الآخر النصف مشاعاً و لا بيّنة؛ فالمشهور أنّهما يقتسمان بعد حلف من يدّعي النصف، دون الآخر. لأنّه مقرّ باستحقاقه النّصف. و أمّا لو ادّعى الآخر النصف متعيّناً، فيقتسمان ذلك النصف المعيّن نصفين بعد تحالفهما. و ذلك لأنّ الدعوى في الصورة الأولى متعلّقة بجزء جزء. بخلاف الصورة الثانية، فإنّها منحصرة في النصف الذي يدّعيه الآخر. فيصير حقّ[89] من ادّعاه، الربع.

و قد اُعترض عليه بأنّه يجري هذا الكلام في الأولى أيضاً بعينه. لأنّ النصف المشاع، مسلّم للمقرّ له بالفرض. فإنّ كلّ جزء فرض من المشاع فنصفه المشاع للمقرّ له. و یتعلّق الدعوى بالنصف الآخر، فيتداعيان فيه، فلا بدّ من التحالف. فلا يستحقّ مدّعي النصف حينئذ إلّا الربع أيضاً.

و قد يوجّه المشهور بأنّ ثبوت يدهما على العين بالإشاعة، يقتضي أنّ كلّ جزء‌ يفرض منها يكون في يدهما سواء، فكلّ منهما ذو اليد على نصف كلّ جزء. فمدّعي الكلّ بالنظر إلى ما في يده ليس بمدّعى عليه، و بالنظر إلى ما في يد صاحبه مدّعي خارج لا بيّنة له. فإذا حلف المدّعي للنصف على نفي استحقاق صاحبه لما في يده، استقرّ له النصف (كما ذكره الأصحاب) فلا وجه للاعتراض.

أقول: و لعلّ السّرّ في ذلك ملاحظة اليد على الإشاعة و إن كان [مدعی][90] النصف معترفاً بعدم مالكيّته إلّا [علی] النصف، فلو حكمنا بالتنصيف في هذا النصف بعد التحالف (كما في مورد التعيين) لكُنّا أبطلنا مقتضى يد التصرّف بعنوان الإشاعة. و لا وجه لبطلانه. إذ غاية ما دلّ عليه اعترافه هو سقوط الملك عن النصف الآخر. لا [عدم][91] التصرّف على الإشاعة. فليتأمّل. و كيف كان؛ فالظاهر أنّهم لم يذكروا في المسئلة خلافاً، کما ذكره الشهيد الثاني(ره)[92]. و مع ذلك فالخروج عن المشهور، مشكل.

(و في المسئلة قول آخر لابن الجنيد، و هو أنّه يقسم بينهما أثلاثاً. بناءً على العمل بالعول و سيجيئ الكلام فيه).

و لو أقام كلّ منهما بيّنة؛ فعلى القول بترجيح بيّنة الخارج، فالكلّ لمدّعي الكلّ. هذا على المشهور. و أمّا على الإشكال المتقدّم، فثلاثة أرباعه. لأنّه داخل بالنسبة إلى نصف ما يدّعيه مدّعي النصف. و قد عرفت جوابه. و أمّا على القول بترجيح بيّنة الداخل، فيقسّم بينهما نصفين. فإنّ الداخل هو مدّعي النصف[93] و بيّنته مطابق لطلبه، فيسقط عنه اليمين. فهذا أيضاً على المشهور، و أمّا على الإشكال المتقدم، فلا یثبت له الا الربع. فانّ الداخل في الربع الآخر حینئذ هو مدعی الکل. و قد عرفت الجواب.

و لو اقام احدهما خاصۀ البینۀ؛ فقال الشهید الثانی(ره): «حکم بها». و علی اطلاقه غیر صحیح. [و الصحیح] التفصیل بان یقال: ان کان هو مدعی الکل فیحکم بها علی المشهور. و أمّا على الإشكال السابق، فيحكم بها في الثلاثة ألارباع مطلقا، و في الربع الآخر‌ على القول بسماع بيّنة الداخل. و أمّا إذا لم یسمع بيّتة الداخل مطلقا (بمعنى عدم مشروعيّتها من الأصل أيضاً) فهو لمدّعي النصف مع يمينه.

و ان کان هو مدعی النصف؛ فعلى المشهور من كونه داخلاً في الجميع، فلا یفيد بيّنته إلّا على القول بسماع بيّنة الداخل. و على عدمه؛ فيكون كما لو لم یكن هناك بيّنة. فيقسم بينهما نصفين مع يمين مدّعي النصف. و أمّا على الإشكال السابق من كونه داخلاً في الربع، فعلى القول بسماع بيّنة الداخل يثبت له جميع النصف و لا يمين عليه. و على القول بعدمه، فيثبت له الربع الذي يدّعيه مدّعي الكلّ، لأنّه بالنسبة إليه خارج حينئذ. و يحلف على النصف الذي في يده. لأنّه مدّعى عليه في ذلك.

هذا كلّه إذا كان العين في يدهما. و أمّا لو كانت في يد ثالث؛ فإن صدّقهما بمعنى أن يقول إنّه لكما. فيصيران بمنزلة المتشبثين، و يظهر حكمه ممّا سبق هنا[ک]، و لمدّعي الكلّ عليه الحلف في النصف. و إن صدق أحدهما، فيصير هو بمنزلة ذي اليد و الآخر بمنزلة الخارج. و يظهر حكمه ممّا مرّ في التفصيلات المتقدّمة من تحليف المتصدّق و غرامته على تقدير النكول و تحليف أحد المتداعيين للآخر، و غير ذلك. و كذلك يظهر الحال لو أقام أحدهما أو كلاهما البيّنة، من ملاحظة المباحث السابقة من تقديم بيّنة الداخل، أو الخارج، أو غير ذلك.

و لو لم يصدّقهما، فيبقى في يده مع حلفه لهما إن لم یكن لهما بيّنة، و إن كان لأحدهما بيّنة، فيحكم بها. و لو أقاما، فلمدّعي الكلّ النصف بلا منازع، و تعارضت البيّنات في النصف الآخر، فيجري فيه الحكم السابق في الخارجين من تقديم الأعدل، فالأكثر، فالقرعة و القضاء لمن خرج القرعة بحلفه. فإن امتنع، حلف الآخر. فان نكلا، قسّم ‌بينهما فلمدّعي الكلّ ثلاثة أرباع و للآخر الربع.

و يلزم ابن الجنيد على البناء السابق، البناء على الأقسام، على طريق العول على حسب سهامهما، يعني أنّ المال المتنازع فيه، مساو لما يدّعيه مدّعي الكلّ، و لا يمكن الجمع بين إبقاء حقّه و حقّ مدّعي النصف. فإذا لم يثبت مرجّح البيّنة، فیبني على العول؛ يعني يزاد في السهام و يوزع النقص على الجميع. فيقسّم المال بينهما ثلاثاً؛ فالثلثان لمدّعي الكلّ، و الثلث لمدّعي النصف. كتقسيم الديّان في مال المفلس و الميّت. و مستنده أنّ المنازعة وقعت في أجزاء غير معيّنة، و كلّ واحد منهما لا يخلو من دعوى كلّ منهما بسبب الإشاعة، فلا يخلص النصف لمدّعي الكلّ بلا منازع (كما ذكره المشهور)، بل كلّ جزء يدّعي مدّعي الكلّ كلّه، و مدّعي النصف نصفه، و نسبة احد الدعويين إلى الأخرى بالثلث. فیقسم العين أثلاثاً.

و هو مردود بأنّ مدّعي الكلّ يخلص له النصف مشاعاً بغير نزاع و هو كاف و إن كان النزاع واقعاً باعتبار التعيين.

منهاج: المشهور أنّ تقدّم التاريخ، من المرجّحات في مقام تعارض البيّنات في الملك. فيحصل الترجيح [لتقديم الأقدم][94].

و لا بدّ في تحقيق المطلب من تقديم مقدّمة: و هو أنّ المشهور أنّه لا یسمع الشهادة بالملك القديم حتّى يضمّ إليه: «و هو ملكه ‌الآن و لا أعلم له مزيلاً»[95]. و لا يكفي أن يضمّ إليه قوله «و لا أدري أزال ملكه عنه أم لا». و عن بعضهم أنّه لا یشترط الضميمة. و جعل الشهيد الثاني(ره) ذلك في المسئلة، مقتضى إطلاق كلام المحقّق. و ظنّي أنّه ليس كذلك. بل هو موافق للمشهور. و كذلك إطلاق غيره.

و الحقّ هو المشهور، فإنّ الشهادة هو «إخبار جازم عن حقّ لازم للغير». و المطلوب إثبات الحقّ الآن بالبيّنة. و [مؤدّی][96] قوله «كان له بالأمس» ليس إلّا الإخبار بكونه له في الأمس. و هو لا يستلزم علمه بكونه له الآن. بل يجامع مع علمه بعدم كونه له الآن. و التمسّك بالاستصحاب هنا لا معنى له. إذ استصحاب مقتضى الحكم السابق، هو ليس نفس إخبار البيّنة و لا لازمه. نعم هو قد يكون لازم نفس المخبَر به، من جهة الاستصحاب. و الذي يمكن استناده إلى البيّنة، هو العلم الحاصل له بكونه ملكاً له الآن، أو الظنّ الحاصل له بالبقاء، من جهة الاستصحاب. لا الظنّ الحاصل للغير من جهة حصول الملك في الآن السابق بسبب الاستصحاب.

و بالجملة: لمّا كان حصول العلم للشاهد بالملك غالباً من المحالات العادية (إذ نقل الملك قد يحصل في نفس المالك بنفسه بحيث لا يطّلع عليه أحد غيره، بنذر أو وقف أو غيره من الأمور، أو مع عدم اطّلاع الشاهد مثل أنّ أحداً كان مالكاً لداره اليوم و نقلها في الليل إلى زوجته أو أحد ولده) و مع ذلك یشهد البيّنة بأنّه ملكه. فليس ذلك إلّا لأجل الاستصحاب.

و اعلم: أنّ بناء الشهادۀ على الاستصحاب، ممّا لا ينبغي التأمّل فيه. و قد سمعت أنّ بعض أفاضل أهل عصرنا ينكر ذلك و كأنّ لأجل [ملاحظۀ][97] اشتراطهم اليقين في الشهادة و ما ورد من الأخبار فيه من أنّه لا بدّ أن يكون عنده في الظهور مثل الشمس. و على ما بيّنّاه و حقّقناه، فهذه الكلمات و الأخبار محمولة على كون الأصل يقيناً و إن عراه الظنّ بعد ذلك. و ممّا يحضرني من عبارات فقهائنا الآن يشهد بما ذكرنا، ما ذكره الشهيد(ره) في القواعد قال: «قاعدة: ذكر الشاهد السبب في الشهادة، قد يكون سبباً كما في صورة الترجيح. و قد يكون فعله و تركه سواء كما في صور كثيرة. و قيل قد يكون ذكر السبب قادحاً في الشهادة، كما لو قال اعتقد أنّ هذا ملكه للاستصحاب، و إن كان في الحقيقة مستنداً إلى الاستصحاب. و كذا لو صرّح بأنّ هذا ملكه علمته بالاستفاضة. و هذا ضعيف، لأنّ الشرع جعل الاستفاضة من أسباب التحمّل، فكيف يضرّ ذكرها. و إنّما مرّ ذكر الاستصحاب إن قلنا به، لأنّه يؤذن بشكّه البقاء، و لو أحمل ذكره و أتى بصورة الجزم زال الوهم. و لو قيل بعدم الضرر أيضاً، كان قولاً. و كذلك الكلام لو قال هو ملكه [لأنّي][98] رأيت يده عليه، أو رأيته يتصرّف فيه بغير مانع»[99]. إلى آخر ما ذكره.

و قال في موضع آخر منه: «قاعدة: المعتبر في علم الشاهد حال التحمّل، و لا يشترط استمراره في كثير من الصور كالشهادة بدين أو ثمن مبيع، أو ملك الوارث، مع الإمكان أن يكون قد دفع الدين أو ثمن المبيع و باع المورث. و كالشهادة بعقد بيع، أو إجارة، مع إمكان الإقالة بعده. و المعتمد في هذه الصور إنّما هو الاستصحاب، أمّا الشهادة على [النسب][100] و الولاء فإنّهما مع القطع، لامتناع انتقالهما. و كذا الشهادة على الإقرار، فإنّه إخبار عن وقوع النطق في الزمان الماضي. أمّا الشهادة بالوقف؛ فإن منعنا بيعه، فهي من القطع».

و یدلّ عليه أيضاً كلماتهم في هذا المقام في الشهادة بالملك القديم مع انضمام قوله «و لا أعلم له مزيلاً». إذ هو أعمّ من اليقين. و ستسمع ما ننقله عن القواعد[101] و ما سنحققه في طيّ كلام القواعد. و بيان الفرق بين التصريح بالاستصحاب و عدمه، لم يكن مسبوقاً بملاحظة قواعد الشهيد كأكثر [الأفكار][102] المتداولة في مؤلّفاتي. و قال الشهيد الثاني(ره) في تمهيد القواعد: «فروع: الاستصحاب؛ و منها ما إذا ادّعى عيناً فشهدت له بيّنة بالملك في وقت سابق، أو أنّه كان ملكه. ففي قبولها وجهان؛ من أنّ ثبوت الملك سابقاً يوجب استصحاب حكمه فيحصل الغرض منها. و من عدم منافات الشهادة ملك غيره له. إذ يصدق ما ذكره الشاهد و إن كان الآن ملكاً لغيره مع علم الشاهد به و عدمه. و من ثمّ احتاط المتأخّرون و أوجبوا ضميمة «أنّه باق إلى الآن و لا نعلم مزيلاً» [لـ]ينتفي احتمال علمهما بملك غير المشهود له ظاهراً».

و على القاعدة يجوز للشاهد أن يشهد باستمرار الملك إلى الآن، حيث لا يعلم له مزيلاً. عملاً بالاستصحاب. كما له أن يشهد بأنّه لا يعلم مزيلاً. فقد حكموا بأنّه لو قال «لا أدري زال أم لا» لا يقبل. و ينبغي عدم الفرق بينه و بين السابق، لانتفاء المانع المذكور مع العلم بالاستصحاب. و أمّا الفرق بين الصيغتين؛ بأن الثانية یشتمل على تردّد مع اشتراط الجزم في‌ الشهادة بخلاف الأولى، فممّا لا يجدي لتحقّق الجزم فيهما بأصل الملك، و الشكّ في استمراره لا يزول بكونه لا يعلم المزيل. و الاستصحاب يجري فيهما.

و الحاصل: أنّ جواز اعتماد الشاهد على الظنّ الحاصل له من جهة الاستصحاب، ممّا لا خلاف فيه و لا إشكال يدانيه. و إلّا لزم العسر و الحرج و انسداد باب القضاء و رفع النزاع. لكنّ الدليل إنّما قام على حجّية ما شهد به لعلمه لو فرض حصوله، أو ظنّه الحاصل له بسبب الاستصحاب. لا مجرّد كون المخبر به ممّا يمكن حصول الظنّ به في الجملة من جهة الاستصحاب.

و إمكان الحصول في الجملة، لا يستلزم فعليّة حصوله للشاهد.

فكما أنّ المجتهد قد يرجّح الظاهر على الأصل و يقطع الاستصحاب بسبب ظهور خلافه و أظهريته، و يسقط عنده عن درجة الحجيّة، فكذلك الشاهد في إخباره قد يكون على ظنّ بما علمه سابقاً و بأنّه باق لعدم سنوح سانحة، أو وجود أمارات تفيد الظنّ بالبقاء. و قد یسنحه سوانح یتزلزله عن ذلك الظنّ و يصير شكّاً أو وهماً. فحينئذ لا يمكنه الإخبار لا بالعلم و لا بالظنّ. [و] الظنّ الحاصل للحاكم (أو غيره) لبقاء المخبر به على [حالته][103]، ليس نفس ظنّ البيّنة.

فإن قيل: [لو قیل] بأنّ الحاكم يجوز له العمل بظنّه أيضاً كما يجوز العمل بيقينه، لكان لهذا وجه.

و هو كما ترى؛ و لذلك فرّقوا بين قوله «لا أعلم له مزيلاً» و قوله «لا أدري أزال ملكه أم لا». فإنّ الأوّل قد يفيد أنّه يعلم البقاء، و قد يفيد أنّه مظنون البقاء عنده. و أمّا الثاني فإنّما يفيد الشكّ و عدم بقاء الظنّ.

و من هذا يظهر سرّ القول بتقديم اليد الحالية على البيّنة السابقة بالملك، أو باليد[104]. كما لو كان في يد أحد دار و ادّعى غيره أنّها له و أقام بيّنة على أنّها كانت في‌ الأمس في يده أو ملكاً له. و اختلفوا فيه على قولين كلاهما للشيخ في كلّ واحد من المبسوط[105] و الخلاف[106]. من جهة أنّ اليد ظاهرها الملك الآن و لا یدفعها اليد السابقة و الملك السابق، لكونها بعارية و نحوها في اليد، و انتقالها منه إلى الغير بعد الأمس في الملك. و عدم مطابقة الدعوى و الشهادة، إذ الدعوى بالملك الحالي و الشهادة متعلّقة بالسابق.

(و لو قيل إنّ ثبوته في الماضي يوجب استصحابه إلى الآن. مُنع بأنّ اليد الحاضرة الظاهرة في الملك معارضة له، فلا یتمّ الاستدامة خصوصاً في اليد. لانقطاعها رأساً).

و من جهة أنّ اليد الحاضرة إن كانت دليل الملك [الحالیۀ، فهی معارضۀ] بالسابقة المستصحبة، أو الملك السابق المستصحب. لمشاركتهما في الدلالة على الملك الآن، و انفرادها بالزمن السابق. فيكون [السابق] أرجح[107]. و الاستصحاب يوجب المطابقة بين الدعوى و الشهادة.

هكذا ذكروا الاستدلال للقولين. و الأظهر عندي القول الأوّل. و لا فرق بين أن یكون البيّنة السابقة على اليد، أو الملك المطلق أو المسبّب، مثل الشراء، أو الانتاج، أو غيرهما. و قد ظهر وجهه ممّا مرّ. و احتمال كون اليد الثانية أيضاً بالعارية أو غيرها، لا يلتفت إليه مع بقاء اليد على حالها. فإنّ المقصود الأصلي من إعمال اليد، هو البقاء لتسلّطها على ما فيها، و عدم جواز منعها من التصرّف كيف شاء بسبب احتمال الغصب و العارية أو غيرهما. فيحكم عليها بما يحكم على ملك الملاك. و ليس هذا معنى الحكم بأنّه ملك.

و أمّا في الشهادة؛ فلا بدّ أن یكون على الملكيّة حتّى يمكن به دفع هذه اليد الحاضرة. و إلّا فلا منافات بين البينتين، و يحكم على المسلمَين بصحّة فعلهما و عدم جواز منع يديهما من التصرّفات في الحالين، و لمّا انقطع الحال الأولى بقي الحال الثانية. فلا یعارض اليدَ الحالية (الموجبة لبقاء حكمها و إجراء حكم الملك على ما فيها) اليدُ المنقطعةُ المحكوم عليها بمثل ما يحكم عليها في هذه ما دامت باقية على حالها.

و أمّا الملك السابق؛ فهو و إن كان يمكن استصحابه، لكنّه لم تستصحبه البيّنة (كما هو المفروض). لأنّه إنّما شهد على الملك في الوقت الخاصّ، و كون الشيئ ممّا يمكن حصول الظنّ به بسبب وجوده في الآن الأوّل، لا يوجب حصول الظنّ به للبيّنة مطلقا. و أقصى ما يمكن استناده إلى البيّنة (أو الاعتماد على ما أفاده)، هو ظنّه الحاصل من الاستصحاب الظاهر عنده، و المفروض عدمه. فليس هنا من جهة البيّنة شيئ؛ لا شهادة بيّنة على الملك الحالي، و لا استناد إلى ظنّه الحاصل بالاستصحاب، عنده، ليترتّب عليه الحكم الحالي بسبب شهادته.

نعم: لو جاز للحاكم العمل بما يظهر عنده من الاستصحاب، لجاز ذلك إذا لم يحصل [ظنّ][108] أقوى منه من اليد. و كلاهما في مقام المنع، فإنّ مسئلة جواز عمل الحاكم بعلمه (مع أنّه محلّ إشكال و خلاف) فإنّما يدلّ على جواز العمل بالعلم القطعي بالحكم، لا بمطلق الظنّ. و كذلك كون الظنّ الحاصل من الاستصحاب أقوى من الظنّ الحاصل باليد، في محلّ المنع. بل هذا أقوى. و هو مقتضى الجمع بين البيّنتين و الدعويين أيضاً. و من ذلك ظهر بطلان ما ذكره من «مشاركتهما في الدلالة على الملك الحالي، و انفرادها بالزمن السابق». لما عرفت من عدم المشاركة أصلاً. أمّا في اليد؛ فظاهر. و أمّا في الملك؛ فلأنّ المشاركة ليست من جهة البيّنة، و إن كانت البيّنة علّةً لحصول ما هو علّة لإمكان فهم المشاركة بسبب استصحابه و قابليّة انسحابه إلى الآن.

قال في تمهيد القواعد (بعد الكلام السابق): «و يتفرّع عليه أيضاً ما لو قال المدّعى عليه «كان ملكك بالأمس». أو [کان مقرّاً][109] بذلك ابتداءً. و قيل لا يؤخذ به كما لو قامت بيّنة بأنّه كان ملكه بالأمس. و الأقوى أنّه يؤخذ، كما لو شهدت البيّنة أنّه أقرّ أمس. و الفرق على هذا بين أن يقول «كان ملكه بالأمس» و بين أن تقوم البيّنة بذلك، أنّ الإقرار لا يكون إلّا عن تحقيق، و الشاهد قد يُخمّن، حتّى لو استندت الشهادة إلى تحقيق؛ بأن قال «هو ملكه اشتراه منه بالأمس»، قبلت.

ثمّ قال: «و منها لو تعارض الملك القديم و اليد الحادثة، ففي ترجيح أيهما، قولان. و مأخذ تقديم الملك السابق، قاعدة الاستصحاب. فيتعارض حينئذ الملك و اليد. و الأوّل مقدّم، كما لو شهدت البيّنة لأحدهما بالملك، و للآخر باليد في الحال». انتهى.

هذا كلّه إذا لم یشهد البيّنة السابقة على فساد اليد اللاحقة. فإن شهد على أنّها [غصبها][110] من السابق أو استأجرها، أو نحو ذلك، فيترجّح بلا إشكال.

ثمّ: إنّ العلّامة(ره) قال في القواعد: «و لو قال (أي البيّنة): أعتقد أنّه ملكه، بمجرّد الاستصحاب. ففي قبوله إشكال. أمّا لو شهد بأنّه أقرّ له بالأمس، ثبت الإقرار و استصحب موجبه و إن لم يتعرّض الشاهد للملك الحالي. و لو قال المدّعى عليه: كان ملكك بالأمس. انتزع من يده، لأنّه مخبر عن تحقيق فيستصحب. بخلاف الشاهد فإنّه يخبر عن تخمين. و كذا يسمع من الشاهد لو قال: هو ملكه بالأمس اشتراه من المدّعى عليه بالأمس. أو أقرّ له المدّعى عليه بالأمس. لأنّه استند إلى تحقيق»[111].

أقول: أمّا الإشكال في [الاتكال][112] على مجرّد الاستصحاب، فلعلّه ناظر إلى عدم حصول الظن له، بل ليس هناك إلّا قابليّة انسحاب الحكم و إمكانه. فإنّ من علم بالملك في الآن الأوّل، قد لا يسنحه سانحة و لا يرد على ملكه ما يزلزله. بل تحصل له معاضدات لبقاء الملك؛ مثل بقائه في يده مدّةً مديدةً بلا منازع، سيّما على كون ذي اليد اللاحقة ممّا يظنّ كذبه و عدوانه. فإنّ البقاء في يده هنا مع علمه بالملك السابق، لا يفيد نفس الملك، للزوم تحصيل الحاصل. و قد یسنحه سوانح یوجب الشكّ و یساوي الظن في الزوال و البقاء. بل قد يحصل الظنّ بالزوال، كما لو اختلف عليه الأيدي، [ا]و كان ذو اليد ممّن يظنّ صدقه، و نحو ذلك. فلا يبقى حينئذ للشاهد إلّا مجرّد الاستصحاب، أعني عدم حصول اليقين. بخلاف الحكم السابق الموجب لإمكان انسحابه.

و أمّا إن أراد به أنّ اعتقاده من جهة ظنّه الحاصل بالاستصحاب، فلا وجه للإشكال، لظهور أنّ ذلك معتمد عند الشارع. فأيّ مانع من إظهار وجه الشهادة؟ اللّهم إلّا من جهة أن ذلك مناف للجزم، و الشهادة هو إخبار جازم. و فيه أنّ المراد بالإخبار الجازم، هو ما يجوز له الإخبار الجازم و لو كان بالظنّ لا بالجزم الواقعي. و إلّا لما صحّ الاعتماد على الاستصحاب مطلقا. و هذا خلف.

و أمّا ترجيح البيّنة على اليد في صورة الشهادة على إقراره بالأمس، [فالشهادة][113] على ما [يتیقّن][114] به بانقطاع يد ذي اليد عنه (على فرض صدقه). فيصير استصحابه‌ أقوى من استصحاب الشهادة على الملك. لأنّه لا يحصل معه إلّا الظن بانقطاع اليد. و أمّا في صورة إقرار المدّعى عليه، فالأمر أوضح. لكون الاستصحاب حينئذ ناشیاً من أمر موجب للقطع جزماً، و مفيد لانقطاع يده عنه، و مالكية خصمه يقيناً. بل يوجب ذلك اعتراف ذي اليد بكونه مدّعياً وظيفته الإثبات. بخلاف شهادة الشاهد. فإنّه لمّا كان غالباً مبنياً على الظنّ (مثل اليد، و الاشتراء من ذي اليد و نحو ذلك) فالاستصحاب هنا ناش من أمر ظنّي. فهذا ظنّ في الظنّ، و ذلك ظن في القطع و هو أقوى. و یظهر منه قوّة الصورة الأخيرة. و بالجملة: المدار في الترجيح بين الأمارات المثبتة للحقوق (من البيّنة، و الإقرار، و البيّنة على الإقرار، و غيرها) على ما يوجب الترجيح من جهة قوّة الظنّ و ضعفه.

إذا عرفت هذا، فنرجع إلى أصل المسئلة و نقول: إذا تعارضت البيّنات في الملك، فالمشهور أنّه يحصل الترجيح بالتقدم و الأقدم (كما لو قال احد البيّنتين إنّه ملكه الآن، و قال الأخر إنّه ملكه مدّۀ شهر. أو قال إحداهما إنّه ملكه مذ سنة، و الأخرى إنّه ملكه مذ سنتين) لأنّهما تعارضتا في الوقت المشترك بينهما و سقطتا فيه، و بقي الشهادة المختصّة بالمتقدّم سالمة عن المعارض في وقت الغير المشترك. فيثبت موجبها في الزمان المتقدّم بغير معارض. و يستمرّ بحكم الاستصحاب.

و رُدّ: بأنّ مجرّد الملك في الماضي، لا ينفع. و دلالة الشهادة القديمة على الملك الآن، انتفت بالشهادة الحالية، فلا يستمرّ. و ثمرة الشهادة السابقة إنّما تظهر بسبب اتصالها بالآن، و إلّا فلا ینفع الشهادة في الماضي، كما مرّ. و المفروض بطلان حال اتّصالها بالآن، بسبب معارضتها بالشهادة الحالية. هذا إذا كان الشهادة القديمة بعنوان الاستمرار بأن يقول «إنّه ملكه إلى الآن» مثلاً. و أمّا لو لم یتّصل شهادته بالآن، بأن یشهد بأنّه ملكه في أوّل العام السابق مثلاً، و الآخر بأنّه ملكه الآن مثلاً، فالأمر أوضح كما تقدّم.

أقول: و الكلام في صورة عدم الاتّصال، واضح لما تقدّم. و أمّا في صورة الاتّصال؛ فيمكن أن يقال إنّ المرجّح للبيّنة هو نفس تلك الزيادة، لا أنّ تلك الزيادة مثبتة [لشيئ][115] بالاستقلال، حتّى يمنع استمرارها.

و ربّما يُفصَل هنا بأنّه لو لم یصرّح بيّنة القديم و الأقدم بالملكية الحالية (مثل أن يسكت، أو يقول لا أدري أزال أم لا، [ا]و لا أعلم له مزيلاً)، فالترجيح للحادث، لتقدم المفصّل على المجمل، و عدم المنافات. فيجب إعمال الحادث. و لو صرّح بها فيقع التعارض و يرجّح القديم مع إشكال فيه. و مراده بالإشكال، هو ما ذكرناه سابقاً في الرّدّ.

أقول: و ما ذكره حسن في الصورتين الأوليين. و أمّا في الصورة الأخيرة، فيمكن دفعه بمنع الإجمال، فإنّ مناط الشهادة غالباً هو الظنّ الاستصحابي، و هو معتبر عند الشارع، كما أشرنا سابقاً. فلا يضرّ قوله «و لا أعلم له مزيلاً» في كون ذلك بيّنة تفصيليّةً. و التعارض إنّما هو بين البيّنات المعتبرة شرعاً، لا مدلولاتها المختلفة عقلاً و عرفاً. نعم يمكن القول بأنّ ظهور الدلالة و قوّتها و أوضحيّتها أيضاً من المرجّحات، فلا بدّ من ملاحظتها أيضاً. لا أنّه لا منافات، و أنّه يجب الحكم بالآخر و لا يجوز العمل بالأوّل.

ثمّ: إنّ الشهيد الثاني(ره) قال في المسالك: «إنّ المسئلة مفروضة في ما إذا كان المدّعى في يد ثالث. و أمّا إذا كان في يد أحدهما و قامت بيّنتان مختلفا التاريخ، فإن‌ كانت بيّنة الداخل أسبق تاريخاً، فهو المقدّم لا محالة. و إن كانت بيّنة الآخر أسبق تاريخاً، فإن لم يُجعل سبق التأريخ مرجّحاً، فكذلك يقدّم الداخل. و إن جعلناه مرجّحاً ففي ترجيح أيّهما و عدمه، أوجه: الأوّل[116]: ترجيح اليد، لأنّ البيّنتين متساويان في إثبات الملك في الحال، فیتساقطان و یبقى من أحد الطرفين اليد، و من الآخر إثبات الملك السابق. و اليد أقوى من الشهادة على الملك السابق. و لهذا لا تزال بها. الثاني: ترجيح [السابق]. لأنّ مع أحدهما ترجيحاً من جهة البيّنة، و مع الآخر ترجيحاً من جهة اليد. و البيّنة مقدّمة على اليد فكذلك الترجيح من جهتها مقدّم على الترجيح من جهة اليد. الثالث: أنّهما متساويان، لتعارض البینتين»[117].

و فيه: أنّ فرض المسئلة في ما ذكره فقط ممنوع. بل یشمل جميع الصور.

و أيضاً إنّ ما ذكره من التفصيل، إنّما يجري على القول بترجيح بيّنة الداخل. و هو خلاف مختاره سابقاً.

أقول: و يمكن أن يكون مراده أنّ إطلاق القول بتقديم سبق التأريخ و ترجيحه على الحادث، إنّما يجري في صورة كون العين في يد ثالث. و في معناه ما لو لم یكن عليه يد أحد. و أمّا لو كان في يد أحدهما، فلمّا لم يتصوّر تعارض على القول بترجيح بيّنة الخارج (لأنّهم يعتمدون في المسئلة على الحديث المستفيض و هو ينفي أصل البيّنة و يُسقطها عن الاعتبار رأساً) فلا معنى لملاحظة المرجّحات في جانب بيّنة الداخل حينئذ. فَبَنى الكلام فيه [علی فرض] ترجيح بيّنة الداخل و فَرَضَ الصّور المذكور على الفرض الممكن. و حينئذ فالوجه الأوّل من الوجوه الثلاثة، هو المعتمد. و الوجهان الآخران ضعيفان. فليس ذلك الفرض لتجدّد رأيه في المسئلة، بل لأنّه لا يمكن الفرض إلّا في ذلك.

نعم: يرد عليه أنّ ذلك إنّما يتمّ لو بنى ترجيح بيّنة الخارج على الحديث المستفيض. أمّا لو بنى على «ترجيح التأسيس على التأكيد» مثلاً، فيمكن إجراء الكلام على القول بترجيح بيّنة الخارج أيضاً. و الحقّ أنّه حينئذ أيضاً، الترجيح لبيّنة الداخل و ان سبق التأريخ في بيّنة الخارج، و لو يوازي اليد.

منهاج: لو تعارضت البيّنة بالملك المطلق و البيّنة باليد؛ فالترجيح لبيّنة الملك. لاحتمال اليد العاريةَ، و الإجارةَ، و غيرهما. و لا فرق بين تقدّم التأريخ و تأخّره. و استشكله في الكفاية، لجواز أن يكون مستند شهادة الملك هو اليد، فلا يزيد على الشهادة باليد. و هو ضعيف؛ لأنّ بناء الشهادة على مجرّد اليد في غاية الندرة (مع الإشكال في جوازه كما يأتي). بل الغالب الشایع، انضمام سایر القرائن المفيدة للعلم أو الظنّ القوي. و كيف كان، فلا ريب في ترجيح الشهادة بالملك. و أمّا لو تعارضت البيّنة بالملك المسبّب (مثل الاشتراء و الإنتاج)، و البيّنة بالتصرّف تصرّف الملّاك (من البناء و الهدم و البيع و غيرهما)، فكذلك أيضاً. لاحتمال التصرّف صدورَه عن الوكيل و غيره. و صراحة الملك.

و قال المحقّق الأردبيلي(ره): «و لا يخفى أنّ هذا الدليل يدلّ على تقديم بيّنة الملك المطلق من غير ذكر السبب، على بيّنة التصرّف. و ذلك غير بعيد. و لكن تقييدهم‌ بالسبب مشعر بعدم ذلك، فتأمّل»[118]. انتهى. و استشكل في الكفاية ایضاً بأنّ الاشتراء إن كان من غير ذي اليد، فلا يدلّ على المطلوب. و إن كان من ذي اليد أو المتصرف، فيرجع إلى اليد و التصرّف. فلا ترجّح على الشهادة باليد أو التصرّف. و هذا الإشكال أيضاً ضعيف. فإنّ طریان قوّة الملك بسبب قوّة السبب و هو البيع، لا ينافي ضعفه قبل ذلك. فإنّ البيع، الذي ثبت صحّته شرعاً و إن كان حاصلاً من ظاهر اليد. فلا ريب في [ترتّب][119] حكم الملك عليه و هو قطعي. بخلاف دلالة اليد المجرّدة على الملك.

و بالجملة: صدق كونه مبيعاً له، أقوى دلالة على الملك من كونه في يده بمجرّده. و نظير ذلك أنّ الحاكم قد يبنى حكمه في المسئلة على ظنّ ضعيف حاصل من الدليل الظنّي. و بعد حكمه لا يجوز نقضه قطعاً و يفيد حكمه القطع بمؤدّاه.

منهاج: لا خلاف بينهم في تحقّق التعارض بين الرجلين العدلين، [و بین مثلهما من][120] الرجل و المرئتين. لكون كلّ منهما حجّةً شرعيةً. و لا یترجّح بينهما. و أمّا الشاهد و اليمين، فلا يعارض شيئاً منهما عندهم، لضعفه من جهة وقوع الخلاف في كونه مثبتاً. و من جهة أنّ الحالف يصدّق نفسه، بخلاف الشاهدين و الشاهد و المرئتين، فإنّهما يصدّقان غيرهما. و ذلك مرجّح قوي. و نُقل عن الشيخ قول بالتعارض و القرعة بينهما. و بعضهم نفى القول عنه، بل‌ نسب إليه التردّد. و عبارته محتمل للمعنيين، و لذلك اختلف العلماء في فهمه. و كيف كان فلا مناص عمّا هو المعروف من مذهب الأصحاب.

منهاج: لو تداعيا زوجةً، و أقام كلّ منهما بيّنة، فإن كان مع أحدهما مرجّح، عُمل به. و إن لم يكن هنا مرجّح بأن يكو[نا] خارجين مثلاً و لم يعاضد أحدهما مرجّح، و نكلا عن اليمين أيضاً، فيقرع بينهما. للزوم تعطيل الحكم بدونه، و لعموم ما ورد أنّها لكلّ أمر مشكل، و لعدم تصوّر القسمة بينهما كما یتصوّر في الأموال.

و یؤيّده مرسلة داود بن أبي يزيد العطّار عن بعض رجاله: عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: فِي رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَجَاءَ رَجُلٌ بِشُهُودٍ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ امْرَأَةُ فُلَانٍ وَ جَاءَ آخَرَانِ فَشَهِدَا أَنَّهَا امْرَأَةُ فُلَانٍ فَاعْتَدَلَ الشُّهُودُ وَ عُدِّلُوا فَقَالَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ فَهُوَ الْمُحِقُّ وَ هُوَ أَوْلَى بِهَا»[121]. و لا دلالة في الرواية على اليمين و لا تعرّض فيها لدعوى الزوج، و لا بدّ ان يحمل على ذلك، كما أشار إليه المحقّق الأردبيلي(ره) قال: «و يمكن التفصيل بأنّ المرئة هل تصدّق أحدهما أو تنكر، فيمكن ترجيح من صدّقته، و مع إنكارهما أو تصديقهما معاً، يرجع إلى الأوّل يعني القرعة. و لكن في صورة الإنكار و الحكم للمنكَر منهما، ينبغي أن يذكر لها: إن [لم] تكن في الواقع زوجته، تمنعه عن نفسها بينها و بين اللّه و إن كان الحاكم يحكم عليها بسبب ظاهر الشرع بالامتثال و الزوجية. و هو ظاهر و أمثاله كثيرة»[122]. انتهى.

و إنّما قلنا إنّ القرعة بعد التحالف و نكولهما معاً، بخلاف التنازع في الأموال، فإنّ الحلف هناك بعد القرعة. لعدم الثمرة هنا لعدم إمكان القسمة بينهما بعد نكولهما.



[1] و فی النسخۀ: مزد.

[2] و فی النسخۀ: الجلیل.- و یحتمل: العلیل.

[3] علیک بحدیث المنصور: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَام‏ فِي‏ حَدِيثِ‏ تَعَارُضِ‏ الْبَيِّنَتَيْنِ‏ فِي‏ شَاةٍ فِي يَدِ رَجُلٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَام حَقُّهَا لِلْمُدَّعِي وَ لَا أَقْبَلُ مِنَ الَّذِي فِي يَدِهِ بَيِّنَةً لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّمَا أَمَرَ أَنْ تُطْلَبَ الْبَيِّنَةُ مِنَ الْمُدَّعِي فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَ إِلَّا فَيَمِينُ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ هَكَذَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ». الوسائل، ابواب کیفیۀ الحکم، ب 3 ح 4. و الحدیث بتمامه فی ب 12 ح 14.

[4] و فی النسخۀ: الا.

[5] ای ولو سلّم ان التفصیل قاطع للشرکۀ فی الجایز ایضاً، یمکن ان یکون التفصیل فی هذا الحدیث، قاطعاً بین السابق و المسبوق.

[6] بل کاد ان یکون کلام المصنف(ره) توضیحاً للواضح.

[7] و فی النسخۀ: تمسکوا- هلمّ نرجع الی عهد الشباب: و جرّد العفل اذا ما اسندا      لاثنین او جمع کفاز الشهداء.

[8] مراده(ره) من الحدیث المستفیض قولهم علیهم السلام «البینۀ علی المدعی و الیمین علی المدعی علیه». و لیت شعری اذا لم یکن هذا الحدیث متواتراً فما هو المتواتر فی العالم.

[9] و فی النسخۀ: لا ینافی.

[10] الوسائل، ابواب کیفیۀ الحکم، ب 1 ح 6.

[11] المرجع، ح 2.- و فیه: «علیهم» مکان «بینهم».

[12] المرجع، ب 24 ح 1.

[13] الوسائل، ابواب کیفیۀ الحکم، ب 25 ح 3 نقلاً من تفسیر علی بن ابراهیم.

[14] الاحتجاج، احتجاجات امیر المومنین علیه السلام.

[15] و فی النسخۀ: یتستحیل.

[16] و فی النسخۀ: الفصل.

[17] و فی النسخۀ: القواعد (متن الایضاح ط کوشانپور) ج 4 ص 410.

[18] المرجع نفسه.

[19] الدروس، ج 2 ص 103 ط جامعۀ المدرسین.

[20] التحریر، ج 5 ص 190.

[21] المهذب، ج 4 ص 494.

[22] و فی النسخۀ: بسبب.

[23] و فی النسخۀ: بینۀ.

[24] و فی النسخۀ: الترجیح.

[25] و فی النسخۀ: البنین.

[26] لعلّه الحدیث 3 من باب 12 من ابواب کیفیۀ الحکم.

[27] التهذیب، ج 6 ص 233 ح 1 ط دار الاضواء.

[28] الکافی (الفروع) ج 7 ص 419 ط دار الاضواء. و جعل فی هذا البطع الزیادۀ فی متن الحدیث فی التهذیب. کما تری. و نبّه علیه فی الهامش بتعلیقۀ.

[29] الوسائل، ابواب کیفیۀ الحکم، ب 12 ح 14.

[30] و فی النسخۀ: للبینۀ.

[31] و فی النسخۀ: خلافهما.

[32] و فی النسخۀ: فیها.

[33] و ایضاً کل من الاسمین مشترکۀ بین اشخاص متعددۀ.

[34] لانّها معلّلۀ بالخبر المستفیض بدلالتها الغیر الواضحۀ.

[35] ای سابق علی الدعوی و خلاف المدعی و المنکر.

[36] و فی النسخۀ: النافل.

[37] الخلاف، ج 6  331 ط جماعۀ المدرسین. و لیس فیه «عندنا». و بالجملۀ: من راجع کلام الشیخ قبل هذه المسئله و بعدها، یری انّ للعامۀ ایضاً اقوال و آراء مختلفۀ فی المسئلۀ، فلا محل للتقیۀ.

[38] و قال احمد بن حنبل: لا اَسمع بینۀ صاحب الید بحال، فی ایّ مکان کان.- الخلاف، ج 6 ص 331.

[39] و فی النسخۀ: المثبت.

[40] و فی متن شرایع، ط دار التفسیر، الصیاغۀ.

[41] و فی النسخۀ: و کذا فی نسخۀ الشرایع ط دار التفسیر، بیّنۀ.

[42] الشرایع، ج 4 ص 1-2 ط دار التفسیر.

[43] و فی النسخۀ: مثبتتین.

[44] کذا. و الاصح، الداخل.

[45] المهذب، ج 4 ص 496.

[46] و فی النسخۀ: بیّنا.

[47] فیکون کلاهما داخلین.

[48] الوسائل، ابواب کیفیۀ الحکم، ب 12 ح 1.

[49] الفقیه، ج 3 ص 38 ح 1 ط دار الاضواء.

[50] الفقیه، ج 3 ص 53، 9 ط دار الاضواء.

[51] الوسائل، ابواب کیفیۀ الحکم، ب 12 ح 5.

[52] المرجع، ح 6.

[53] الفقیه، ج 3 ص 52 ح 6 ط دار الاضواء.

[54] الوسائل، الباب، ح 11.

[55] المرجع، ح 12.

[56] الفقیه، ج 3 ص 52 ح 5.

[57] و فی النسخۀ: فقال.

[58] ای: لا یتم الکلام فی الصور المختلفۀ من المسئلۀ.- هذا اذا اعتمدنا بعبارۀ النسخۀ. و لعلّ فیها اشکالاً سیمّا بملاحظۀ ضمیر «عنه»، و الصحیح «عنها».

[59] عبارۀ النسخۀ:.. فی موضع الحکم حینئذ ان لو حکمنا..

[60] و فی النسخۀ: بنیا.

[61] عطف علی «صرّح به العلامۀ».

[62] المسالک، ج 2 ص 312 ط دار الهدی.

[63] و فی النسخۀ: الاّ انّما.

[64] و فی النسخۀ:.. البرائۀ و عدم المرجح و الی القرعۀ لکل امر مشکل.

[65] ای: نعم: یُعمل بالقرعۀ اذ ابتدئا معاً.

[66] عطف علی قوله «اما الاول: فان کان لاحدهما بیّنۀ».

[67] و فی النسخۀ: الاستناد.

[68] المسالک، ج 2 ص 313 ط دار الهدی.

[69] الروضۀ، ج 3 ص 106- کلانتر.

[70] عبارۀ النسخۀ: فلذلک لو تعرضوا الحکم سایر المرجحات فیه.

[71] ای: لاعلّۀ لترکهم ذکر سایر المرجحات الاّ هذا.

[72] التی نقلها من المسالک.

[73] الوسائل، ابواب کیفیۀ الحکم، ب 12 ح 4.- و الیک متن الحدیث: «أَنَّ رَجُلَيْنِ عَرَفَا بَعِيراً فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً فَجَعَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع) بَيْنَهُمَا».

[74] الشرایع، ج 4 ص 101 ط دار التفسیر- قال هناک: قضی بینهما نصفین و احلف کل منهما لصاحبه.

[75] قال(ره): اذا عرفت هذا فلنرجع الی بیان اقسام التعارض و احکامها: اذا تداعیا عیناً، فاِمّا ان یکون فی ایدیهما علی السواء، او فی ید احدهما، او فی ید ثالث، او لیس علیه ید اصلاً.

فاثم البحث فی الاول، و الان یأتی بالبحث حول الثانی و هو «ان یکون فی ید احدهما».

[76] و فی النسخۀ: فی.

[77] و هو اذا کان المال فی ید شخص ثالث.

[78] عبارۀ النسخۀ: و لزوم الیمین انما هو لان توجه دعوی صاحبه علیه انما هو بعد استنقاذ العین..

[79] و فی النسخۀ: فیقرع للحالف.

[80] و فی النسخۀ: احلف.

[81] و فی النسخۀ: الاخری.

[82] عبارۀ النسخۀ: و لان دلالته فی واحد..

[83] الاحادیث کلها فی الوسائل، ابواب کیفیۀ الحکم، ب 12 و ب 13.

[84] لانّ صاحب البینۀ الخارج، هو المدعی و لا بینۀ للمدعی.

[85] اللمعۀ الدمشقیۀ، ص 98 ط دار الناصر.

[86] و فی النسخۀ: هذا مبنی.

[87] و هو ان یدعیا عیناً لیس علیها ید اصلاً.

[88] الفقیه، ج 3 ص 39 ط دار الاضواء.

[89] و فی النسخۀ: حقه.

[90] و فی النسخۀ: مالک.

[91] عبارۀ النسخۀ: لا یمکن التصرف علی الاشاعۀ.

[92] المسالک، ج 2 ص 313.- و قد سبق البحث فیه.

[93] و فی النسخۀ: مدعی النصف فی النصف.

[94] و فی النسخۀ: للتقدیم و الاقدم.

[95] ای: ان یقول الشاهد: «اشهد انّ هذا کان فی السابق لفلان و لا اَعلم له مزیلاً».

[96] و فی النسخۀ: یؤدیه.

[97] و فی النسخۀ: مالاحظ.

[98] و فی النسخۀ: لابی.

[99] قواعد الشهید، ج 1 ص 371.

[100] و فی النسخۀ: السبب.

[101] ای: ما نقله الشهید(ره) عن قواعد العلامۀ(ره).

[102] و فی النسخۀ: الانکار.

[103] و فی النسخۀ: حالۀ.

[104] ای: تقدیم الید الحالیۀ بالید السابقۀ.

[105] المبسوط، ج 8 ص 279 ط المرتضویه.

[106] الخلاف، ج 6 ص 339 مسئلۀ 11. ط جماعۀ المدرسین.

[107] عبارۀ النسخۀ: و من جهۀ ان الید الحاضرۀ ان کانت دلیل الملک بالسابقۀ المستصحبۀ او الملک السابق المستصحب او الی لمشارکتهما بها فی الدلالۀ علی الملک الان و انفرادهما بالزمن السابق فیکونان ارجح.

[108] و فی النسخۀ: الظن.

[109] و فی النسخۀ: قال المقرّ.

[110] و فی النسخۀ: عقبها.

[111] القواعد (متن الایضاح) ج 4 ص 413 ط کوشانپور.

[112] و فی النسخۀ: الاشکال.

[113] و فی النسخۀ: فلا شهادۀ.

[114] و فی النسخۀ: یتّفق.

[115] و فی النسخۀ: الشیئ.

[116] و فی المسالک، احدها.

[117] المسالک، ج 2 ص 314 ط دار الهدی.

[118] مجمع الفائدۀ و البرهان فی شرح إرشاد الأذهان ج 12 ص 243. 

[119] و فی النسخۀ: تردد.

[120] و فی النسخۀ: و مثلهما و بینهما بین..

[121] الوسائل، ج 27 ص 252 ط مؤسسۀ آل البیت، قم.

[122] مجمع الفائدۀ و البرهان، ج 12 ص 239.