شنبه ۱ مهر ۱۳۹۶

صفحه اول >> کتاب ها => جامع الشتات (8)



المطلب الرابع:

في ما يثبت بالشاهد و اليمين‌

الأوّل: لا خلاف بين أصحابنا في جواز الحكم بالشاهد و اليمين في الجملة. و هو مذهب أكثر العامّة. و أخبارنا به مستفيضة. و سيجيئ بنظر[1]. و الأظهر الأشهر أنّ المرأتين و اليمين، أيضاً كذلك (خلافاً لابن إدريس)، للأخبار المعتبرة منها حسنة الحلبيّ- لإبراهيم بن هاشم[2]- «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِه أَجَازَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ مَعَ‏ يَمِينِ‏ الطَّالِبِ‏ فِي الدَّيْنِ، يَحْلِفُ بِاللَّهِ إِنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ»[3]. و رواية منصور بن حازم: «قال: حدّثني الثقة عن أبي الحسن عليه السّلام: قال: إذا شهد لطالب الحقّ امرئتان و يمينه باللّه، فهو جایز»[4]. و رواه الصدوق أيضاً بسنده عن منصور عنه عليه السّلام و هو صحيح[5]. كما في الخلاصة.

قالوا: و إنّما يثبت الحكم بذلك في الأموال. و الضابط فيها «ما كان المدّعى مالاً أو كان المقصود منه المال». فيدخل في ذلك القرض، و الدين[6]، و الغصب، و البيع، و الصلح، و الهبة، و الإجارة، و القراض، و الوصيّة، و الجناية الموجبة للدية؛ كقتل الخطأ، و قتل الوالد ولده، و الحرّ العبد، و كسر العظام، و الجائفة، و الماموتة، و المنقلة، و نحو ذلك. بخلاف مثل الطلاق، و النسب، و الوصيّة إليه[7]، و كذلك حقوق اللّه تعالى.

و استدلّوا على ذلك بما رواه ابن عبّاس أنّ «النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: استشرت جبرئيل(ع) في القضاء باليمين مع الشاهد، فأشار بذلك في الأموال، لا يعدوا ذلك»[8]. و حسنة عبد الرحمن بن الحجّاج (و هي صحيحة في التهذيب)[9]: «قَالَ: دَخَلَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ(ع) فَسَأَلَاهُ عَنْ شَاهِدٍ وَ يَمِينٍ. فَقَالَ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)- وَ قَضَى بِهِ عَلِيٌّ(ع) عِنْدَكُمْ بِالْكُوفَةِ- فَقَالا هَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ. فَقَالَ وَ أَيْنَ وَجَدْتُمُوهُ خِلَافَ الْقُرْآنِ؟ قَالا إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ‏ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ‏. فَقَالَ‏ قَوْلُ اللَّهِ‏ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ‏، هُوَ لَا تَقْبَلُوا شَهَادَةَ وَاحِدٍ وَ يَمِيناً؟ ثُمَّ قَالَ إِنَّ عَلِيّاً(ع) كَانَ قَاعِداً فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، فَمَرَّ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُفْلٍ التَّمِيمِيُّ وَ مَعَهُ دِرْعُ طَلْحَةَ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع) هَذِهِ دِرْعُ طَلْحَةَ أُخِذَتْ غُلُولًا يَوْمَ الْبَصْرَةِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُفْلٍ اجْعَلْ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ قَاضِيَكَ الَّذِي رَضِيتَهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَجَعَلَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ شُرَيْحاً. فَقَالَ عَلِيٌّ(ع) هَذِهِ دِرْعُ طَلْحَةَ أُخِذَتْ غُلُولًا يَوْمَ الْبَصْرَةِ. فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ هَاتِ عَلَى مَا تَقُولُ بَيِّنَةً فَأَتَاهُ بِالْحَسَنِ فَشَهِدَ أَنَّهَا دِرْعُ طَلْحَةَ أُخِذَتْ غُلُولًا يَوْمَ الْبَصْرَةِ. فَقَالَ شُرَيْحٌ هَذَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَ لَا أَقْضِي بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ آخَرُ. فَدَعَا قَنْبَرَ فَشَهِدَ أَنَّهَا دِرْعُ طَلْحَةَ أُخِذَتْ غُلُولًا يَوْمَ الْبَصْرَةِ. فَقَالَ شُرَيْحٌ هَذَا مَمْلُوكٌ وَ لَا أَقْضِي بِشَهَادَةِ مَمْلُوكٍ. قَالَ فَغَضِبَ عَلِيٌّ(ع) وَ قَالَ خُذْهَا فَإِنَّ هَذَا قَضَى بِجَوْرٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ فَتَحَوَّلَ شُرَيْحٌ وَ قَالَ لَا أَقْضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ حَتَّى تُخْبِرَنِي مِنْ أَيْنَ قَضَيْتُ بِجَوْرٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَقَالَ لَهُ وَيْلَكَ أَوْ وَيْحَكَ إِنِّي لَمَّا أَخْبَرْتُكَ أَنَّهَا دِرْعُ طَلْحَةَ أُخِذَتْ غُلُولًا يَوْمَ الْبَصْرَةِ، فَقُلْتَ هَاتِ عَلَى مَا تَقُولُ بَيِّنَةً وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص): «حَيْثُ مَا وُجِدَ غُلُولٌ أُخِذَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ» فَقُلْتُ رَجُلٌ لَمْ يَسْمَعِ الْحَدِيثَ فَهَذِهِ وَاحِدَةٌ. ثُمَّ أَتَيْتُكَ بِالْحَسَنِ فَشَهِدَ فَقُلْتَ هَذَا وَاحِدٌ وَ لَا أَقْضِي بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ آخَرُ، وَ قَدْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ(ص) بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَ يَمِينٍ، فَهَذِهِ ثِنْتَانِ ثُمَّ أَتَيْتُكَ بِقَنْبَرٍ فَشَهِدَ أَنَّهَا دِرْعُ طَلْحَةَ أُخِذَتْ غُلُولًا يَوْمَ الْبَصْرَةِ. فَقُلْتَ هَذَا مَمْلُوكٌ وَ لَا أَقْضِي بِشَهَادَةِ مَمْلُوكٍ وَ مَا بَأْسٌ بِشَهَادَةِ الْمَمْلُوكِ إِذَا كَانَ عَدْلًا. ثُمَّ قَالَ وَيْلَكَ أَوْ وَيْحَكَ إِنَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ يُؤْمَنُ مِنْ أُمُورِهِمْ عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ‏ مِنْ‏ هَذَا»[10].

و صحيحة عمّار: «قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: كان عليّ عليه السّلام يجيز في الدين شهادة رجل و يمين المدّعي»[11].و صحيحة محمّد بن مسلم عنه عليه السّلام: «قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِه يُجِيزُ فِي الدَّيْنِ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَ يَمِينَ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَ لَمْ يُجِزْ فِي الْهِلَالِ إِلَّا شَاهِدَيْ عَدْلٍ»[12]. و موثّقة أبي بصير: « قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السّلام عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عِنْدَ الرَّجُلِ الْحَقُّ وَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ قَالَ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِه يَقْضِي بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَ يَمِينَ صَاحِبِ الْحَقِّ وَ ذَلِكَ فِي الدَّيْنِ»[13]. و رواية القاسم بن سليمان: «قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السّلام يَقُولُ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِه بِشَهَادَةِ رَجُلٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ فِي الدَّيْنِ وَحْدَهُ»[14]. و رواية محمّد بن مسلم: «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السّلام قَالَ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ إِلَيْنَا لَأَجَزْنَا شَهَادَةَ الرَّجُلِ إِذَا عُلِمَ مِنْهُ خَيْرٌ مَعَ يَمِينِ الْخَصْمِ فِي حُقُوقِ النَّاسِ فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَلَا»[15].

إلى غير ذلك من الأخبار الکثیرۀ الدالّة على أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقضي بيمين و شاهد. و كذلك أمير المؤمنين عليه السّلام. و الدالّة على جواز استخراج حقوق الناس بذلك مثل رواية يونس المتقدّمة[16] في كيفية الحكم.

و الأخبار في هذه المسألة، منها ما يدلّ على جواز القضاء بالشاهد و اليمين في الجملة. و منها ما يدلّ على إثبات الحقوق مطلقا. و منها ما يدلّ بأنّها یُثبت الدین، مع عدم نفي غيره. و منها ما ينفي غير الدين. و منها ما يدلّ على ثبوته في غير الدين مثل حكاية الدین. و رواية ابن عبّاس یدلّ بالجواز في الأموال بالعموم. فلا بدّ من جعل الحصر في ما دلّ على نفي غير الدين، إضافياً بالنسبة إلى حقوق اللّه و غير الماليات من الحقوق. سيّما مع عدم معارضتها لما دلّ على العموم. و لا بدّ من تخصيص الحقوق في ما ورد بالعموم، بالماليات. و لا يتمّ تخصيصها بما دلّ على ذلك في الدين، أو في مثل الدرع، أو ما نفي فيه غير الدين، إلّا بضميمة عدم القول بالفصل. كما لا يخفى.

نعم: يمكن التخصيص برواية ابن عبّاس، و لكنّ الكلام في صحّة السند. و يمكن دفعه باعتضاده بعمل الأصحاب. بل الظاهر أنّ المسئلة إجماعية. [فالعمدة][17] في المسئلة الإجماع[18].  و يمكن إثبات عموم المال من حسنة عبد الرحمن حيث استدلّ عليه السّلام على إثبات حكاية الدرع بشهادة الحسن عليه السّلام (ردّاً على شريح) بقضاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). بل يفيد الأعمّ، لعدم كون السبب مخصّصاً، فغيره خرج بالإجماع، أو برواية ابن عباس، أو غيرها بالتقريب المتقدّم.

و[19] الإشكال في موضوع المسئلة و بيان معنى الضابطة الّتي ذكروها، [هو] أنّ هذه القاعدة ليست عبارتهم حتّى يرجع فيها إلى ما يفهم منها عرفاً أو لغة. و الإجماع إنّما هو على ما وقع عليه، لا على اللفظ. إلّا أن يقال إجماعهم وقع [على][20] هذه العبارة المذكورة في [الضابطة][21]. و هو غير معلوم، لاختلاف عباراتهم في ذلك؛ فبعضهم ذكر المال، و بعضهم اقتصر على الدين، و بعضهم ذكر عنوان هذه القاعدة.

و القدر المشترك المستفاد من الضابطة و الأخبار و الإجماع، [هو] مقولۀ «دعوى المال». و أمّا ما اشتمل عليه لفظ الضابطة؛ فلا يمكن تنزيله على شيئ غير عموم رواية ابن عبّاس. و لعلّ مراد الفقهاء أيضاً البناء على ذلك. و لكنّهم بيّنوا أنّ دعوى المال إمّا بأن يدّعي نفس المال بلا واسطة شيئ كدعوى القرض أو الغصب. أو يدّعي أمر[اً] لا يقصد من ذلك الأمر في عرف المتشرّعة أو العرف العام، إلّا المال؛ كالبيع و الإجارة و الجناية الموجبة للدية. سواء كان ذلك مقصود المدّعي أيضاً أم لا. فإنّه يصدق‌ عليهما جميعاً أنّه دعوى المال.

و بالجملة: لا [يعتبر][22] هنا قصد المدّعي؛ فربّما يكون مقصود المدّعي في إثبات النسب هو أخذ الميراث لا غير و ربّما يكون مقصود من يدّعي الجناية إثبات فسق الجاني لا غير. فمرادهم أنّه یثبت الدعوى بالشاهد و اليمين إذا كان المدّعى من الأسباب الموضوعة لحصول المال و إن لم يكن ذلك مقصود المدّعي.

و تحقيق ذلك أيضاً و تعيين مواردها مشكل. و لذا اختلف الفقهاء في كثير من الموضوعات.

فإنّا نعلم جزماً أنّ الشارع جعل البيع سبباً لانتقال الملك، و كذلك الإجارة لحصول المنفعة الّتي هي المال و استحقاق المؤجر وجه الإجارة. و جعل الجناية بعنوان الخطاء، سبباً لتعلّق الدية في أغلب المواضع، كما جعل عمدها سبباً للقصاص. و كذلك جعل الإقرار بالمال سبباً للزوم المال. بخلاف الإقرار بالقتل. و هكذا.

و قد يكون شيئ واحد ذو جهتين مثل السرقة؛ من حيث انّها سبب للزوم الغرامة و ردّ المال، فهو ممّا يتعلّق بالأموال. و من حيث إنّها موجبة للحدّ، فليس كذلك. فیثبت الغرامة بالشاهد و اليمين. بخلاف الحدّ.

و أمّا النسب؛ فليس كذلك. فإنّ وضع الأنساب و الأسباب الحاصلة بالمصاهرة و نحوها، ليس لأجل انتقال مال بعضهم إلى بعض، و إن ترتّب حكم الميراث على ذلك بعد تحقّقه. بل إنّما هو باب مقصود، بالذات منظور. لاّن [فی] باب العرف يحصل به التعارف و الشرف و الضیتعة[23]، و غير ذلك. و أمّا كون الميراث مبنيّاً على ذلك، أو وجوب النفقة مترتّباً عليه، فهو لا يجعل أصل وضعه لذلك، كما لا يخفى. فدعوى النسب، أو الزوجية لأخذ الميراث، لا یثبت بشاهد و يمين. بل إنّه إنّما یثبت بعد ثبوت النسب. فلا يمكن أن يقال: يكفيان[24] من جهة إثبات الميراث و إن لم یثبت من جهة أصل النسب. بخلاف إثبات السرقة.

و أمّا النكاح؛ فقد اختلفوا فيه. و المشهور أنّه لا يسمع[25]. لأنّ المقصود بالذات من وضعه هو النسل و كفّ النفس عن الحرام و إقامة السنّة. و لزوم المهر و النفقة مقصودان فيه بالتبع. و نقل قول بالقبول مطلقا لذلك. و قيل بالتفصيل فيسمع من الزوجة دون الزوج. و زاد عليه السيد عميد الدين رحمه اللّه اشتراط الدخول، أو مع التسمية[26]. و قال الشهيد في غاية المراد (بعد نقل هذا القول): قلت: [مفوّض][27] المهر یدّعي مالاً. و مفوّضة البضع تدّعي النفقة إذا بذلت التمكين.

و الأظهر هو القول المشهور. و لعلّ ظهور دعوى المالية في دعوى الدخول، أظهر. و هذا الكلام يجري في دعوى الرجعة أيضاً. و لكنّهم لم ينقلوا فيه خلافا. بل ظاهر المسالك[28] وقوع الاتّفاق على عدم الثبوت مطلقا. و لعلّ ذلك لأنّ الرجعة من حيث هي لا توجب النفقة، [بل هي تابع لحكم][29] النكاح الموجب للنفقة.

و أمّا الخلع؛ فقد اختلفوا فيه أيضا. و أطلق الأكثرون عدم الثبوت. نظراً إلى أنّ أصل وضعه ليس لأخذ المال، فإنّه ناش من جانب المرئة. بل المقصود منه الفكّ و الخلاص، و أنّه طلاق حقيقة. و يؤيّده أيضاً لزوم شهادة عدلين في الطلاق، فإنّ الحكمة فيه الشهادة إذا احتيج إليها. و قيل بالعدم إذا كان المدّعي هي المرئة. بخلاف الرجل فيثبت فيه. و قال الشهيد الثاني(ره) في الروضة (و قبله الشهيد في الدروس) بالقطع بثبوت المال، كما لو اشتملت الدعوى على الأمرين في غيره كالسرقة. فإنّهم قطعوا بثبوت المال.

أقول: بينهما فرق بيّن. إذ السرقة ممّا اجتمع فيه سبيلتان، یعنى ورودهما و صدقهما على فرد واحد؛ فهي بالنسبة إلى أحد السّبيلتين ممّا يقصد منه المال، دون الأخرى. و أمّا الخلع فغايته إثبات تضمّنه للمال، بمعنى أنّه داخل فيه. لا أنّه هو أحد الاعتبارين دون الآخر. نعم يمكن جريان الكلام فيه إذا اتّفقا على الطلاق، و ادّعى الزوج الفدية[30] مدّعياً ثبوتها عليها بسبب كون الطلاق خلعيّاً. لا مجرّد الخلع. فحينئذ یكون الدعوى واردة على المال، فيمكن القول بإثبات الفدية بهما[31]، دون سایر أحكام الخلع.

و أمّا العتق: فقد اختلفوا فيه ایضاً. فالمشهور عدم الثبوت. لأنّ المقصود منه إثبات الحرّيّة. و قيل يثبت، لأنّ العبد مال للمولى و العبد يدّعي زوال ماليته، كمن يدّعي إبراء ذمّته عن طلب مدّعيه. و باقي الكلام في الكتابة و التدبير و الاستيلاد.

و في الوقف أيضاً إشكال و خلاف مبتنٍ على الخلاف الواقع في أنّ «الموقوف هل ينتقل عن الواقف أم لا؟-؟ و على الأوّل؛ فهل ينتقل إلى اللّه مطلقا بمعنى انقطاع ملك الآدميين عنه-؟ أو إلى الموقوف عليه إذا كان منحصراً-؟». فيثبت بالشاهد و اليمين على القول بالانتقال[32] إلى الموقوف عليه، لأنّه دعوى مالي. و لا يضرّ عدم جواز التصرّف بالبيع و نحوه، لترتّب سایر آثار الملك عليه كأمّ الولد. و قيل بالثبوت بهما على القول بعدم الانتقال إلى الموقوف عليه أيضاً. لأنّ المقصود منه ما يقصد من المال، فإنّ المنفعة أيضاً مال و ذلك كاف في صيرورة الدعوى مالاً و يقصد بها المال، كما هو مقتضى القاعدة المقرّرة.و استشكله الشهيد(ره) على القول بانتقاله إلى اللّه تعالى، لأنّ المنفعة تابعة لثبوت أصل الوقف الذي كان يتعذّر إثباته بذلك، ثمّ قال: و يتمشّى على تقدير القول ببقائه على ملك المالك، كظاهر قول أبي الصلاح.

أقول: و لا ينحصر كون الدعوى ماليةً في أن يدّعي المدّعي إثبات ماليته لنفسه، بل إذا ادّعى من يدّعي تولية الوقف، على الجهة العامّة. فهو يدّعي استحقاقه صرف منافع ذلك في المصرف المعلوم.

و ممّا ذكر، يظهر عدم قبولهما في القذف، و القصاص، و الولاء، و الولادة، و الوصاية إليه، و النسب، و الوكالة (لأنّها ولاية عن التصرّف و إن كان في المال)، و عيوب النساء، و عيوب الرجال، إلى غير ذلك. و عليك بالتأمّل في ما يرد عليك، و التفرقة.

و حاصل الكلام في هذه المقام: أنّ الظّاهر، الإجماع على القاعدة المذكورة. كما يظهر من المحقّق الأردبيلي(ره) حيـث قال «لعلّ دليله هو الإجماع». و یدلّ عليه [الأ]خبار المتقدّمة أيضاً؛ إمّا[33] بإشعار بعضها بعموم دعوى المال أو ما يقصد منه المال. و إمّا بعمومها لجميع الحقوق و خرج ما خرج بالدليل و بقي الباقي. و إمّا بخصوصها في الدين بضميمة عدم القول بالفصل. و ممّن صرّح بعدم القول بالفصل، المحقّق الأردبيلي(ره).

[فـ]في ما ثبت كون الدعوى هي المال (مثل الأمثلة المتقدّمة) فيثبت بهما. و ما يثبت عدمه، فلا يثبت. و ما شُكّ في دخوله تحتهما، فالأصل عدم ثبوته بهما. فلابدّ من التحرّي و الاجتهاد في تحصيل الموضوعات. فدعوى النكاح (مثلاً) ممّا اختلف فيه (و قد تقدّم الكلام فيه) و لا يبعد أن يلحق بالقاعدة إذا كان من جانب الزوجة. و أمّا دعوى المهر، و دعوى التمكين، و دعوى النشوز، فالظاهر أنّها أيضاً ممّا يقصد منه المال. و كذلك دعوى الفدية في الخلع و إن آلَ إلى إثبات الخلع.

 الثاني: لا تثبت دعوى الجماعة مع الشاهد، إلّا مع حلف كلّ واحد منهم منفرداً. فلو حلف بعضهم و امتنع آخر، ثبت نصيب الحالف دون الممتنع. لأنّ مورد الحلف هو مال الحالف. كما دلّ عليه الأخبار المتقدّمة.

و أمّا الشاهد [فمصبّه][34] إثبات حقّ الغير، سواء كان واحداً أو أكثر. و هذا واضح. و لا يجوز الحلف لإثبات مال الغير و لا يثبت به أيضاً. فلو كان على الميّت دين، و له على آخرَ دين، و له شاهد واحد. فالحلف وظيفة الوارث، لأنه المالك و إن انتفع الغريم بالمال كما في المفلس. و الظاهر أنّه لا خلاف فيه بين الأصحاب. و المخالف بعض العامّة فقال بأنّ الغريم أيضاً يجوز له الحلف، لأنّه إذا ثبت يصير مالاً [له] كالوارث. و فيه: أنّه قياس مع الفارق. لأنّ صيرورته مالاً له بالفعل، ممنوع. بل ينتقل إلى الوارث[35] و منه إليه فيكون حلفه لإثبات مال الغير.

و لا يجوز إلزام الوارث بالحلف[36] لإثبات مال المورّث للورثة. للأصل[37]. و لو ادّعى جماعة مالاً لمورّثهم، من قيمة سلعة مشتركة بينهم على رجل، و أقاموا شاهداً واحداً، و حلف كلّ واحد منهم على حقّه. فيثبت الحقّ لكلّ منهم على ما فرض اللّه لو كان ميراثاً. و على السوية لو كان وصيّة. و [على] نسبة حصصهم إن كان من جهة الشركة. و إن لم يحلفوا جميعاً، فلا يثبت شيئ. و لو حلف بعضهم و امتنع آخر، فيختصّ الحالف بحصّته و لا یثبت حصّة الباقين. و لا یثبت شركتهم مع الحالف في ما أخذه أيضاً. أمّا عدم ثبوت حقّ الناكلين؛ فلإبطال حقّهم بترك اليمين. إذ لا يثبت حقّ لأحد بيمين غيره كما بيّنّا. و من ذلك يظهر عدم شركتهم للحالف في ما أخذه أيضاً.

و ذكر في الكفاية (تبعاً للمسالك)[38] استشكالاً في الفرق بين هذا و بين ما لو ادّعي على آخر مالاً و ذكر اسباباً موجباً للشركة كالإرث. فإنّه إذا أقرّ لأحدهما، شاركه الآخر في ما وصل إليه. ثمّ نقلا[39] أنّ بعضهم خصّ هذا بالدين و ذاك بالعين. و أعيان التركة مشتركة بين الورثة، و حيث اعترف بذلك لزم عليه التشريك. بخلاف الدين، فإنّه إنّما يتعيّن بالتعيين و القبض. فالذي أخذه الحالف يتعيّن لنصيبه. و اعترضا على ذلك بأنّ هذا لا يوافق قول المشهور من مشاركة الشريك في الدين في ما قبضه الآخر منه. و مع ذلك فلو انعكس الفرض، انعكس الحكم[40].

ثمّ نقلا عن آخرين الفرق بأنّ المدّعي هناك يلقى الملك من إقرار ذي اليد و ينضمّ إليه إقرار المقرّ له، بأنّه إرث. فلذلك شاركه. بخلاف ما نحن فيه، فإنّ السبب فيه الشاهد و اليمين. فلو أثبتنا الشركة ملّكنا الناكل بيمين غيره. و قد عرفت بطلانه. و على هذا فلا فرق بين العين و الدين. و استشكله في المسالك بأنّ اليمين كاشفة، و سبب الملك هو أمر سابق من إرث، أو وصيّة، أو غيرهما[41].

أقول: و ما نقلا عن الآخرين من الفرق، هو الحقّ الذي لا [محيص][42] عنه. لكن مع توضيح و تنقيح. و لا وجه لما استشكله في المسالك.

و تحقيق المقام يتوقّف على بيان مقدّمتين: الأولى: أنّ المشهور بين أصحابنا؛ أنّ الدين مشتركۀ بين شريكين فصاعداً بسبب إرث، أو قيمة متاع، أو إتلاف، أو نحو ذلك. إذا استوفى أحد الشركاء من الدين بقدر حصّته، شاركه الباقون. سواء كان الدين واحداً أو متعدّداً. و وافقهم ابن إدريس في ذلك في باب الدين و الصلح، و خالفهم في كتاب الشركة بعد ما اختار فيه أوّلاً موافقتهم أيضاً.

و الأقرب قول المشهور. لنا الإجماع المنقول عن الشيخ نقله في الخلاف. و الأخبار المستفيضة مثل ما رواه الصدوق في باب الصلح في الصحيح عن سليمان بن خالد: «قَالَ‏ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ‏ رَجُلَيْنِ‏ كَانَ‏ لَهُمَا مَالٌ‏ مِنْهُ بِأَيْدِيهِمَا وَ مِنْهُ مُتَفَرِّقٌ عَنْهُمَا فَاقْتَسَمَا بِالسَّوِيَّةِ مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا وَ مَا كَانَ غَائِباً فَهَلَكَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مِمَّا كَانَ عَنْهُ غَائِباً وَ اسْتَوْفَى الْآخَرُ أَ يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ قَالَ نَعَمْ مَا يَذْهَبُ بِمَالِه»[43] و في باب الحوالة أيضاً في الموثّق عن غياث بن إبراهيم عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: «فِي رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا مَالٌ مِنْهُ بِأَيْدِيهِمَا وَ مِنْهُ غَائِبٌ عَنْهُمَا فَاقْتَسَمَا الَّذِي بِأَيْدِيهِمَا وَ أَحَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَصِيبِهِ فَقَبَضَ أَحَدُهُمَا وَ لَمْ يَقْبِضِ الْآخَرُ فَقَالَ مَا قَبَضَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا وَ مَا ذَهَبَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا»[44]. و رواه الشيخ أيضاً في التهذیب بأدنى تفاوت في البابين[45].

و الحوالة في هذه الرواية محمول على معناها اللغوي، لعدم شغل ذمّة المحيل بحقّ المحتال. فحينئذ يكون كما قيل: إمّا من باب بيع الدين، و هو باطل فلا يفيد اللزوم فيرجع الآخر إلى ماله. و إمّا من باب [توكيل] كلّ واحد منهما الآخر في أخذ حقّه من المديون و احتسابه عمّا أخذه الآخر، فإذا أخذ أحدهما فيثبت حقّ للموكّل عنده و هو باق إلى أن يأخذه الآخر من المديون الآخر و يحتسب منه، فإذا لم يؤخذ بقي حقّه عند الآخر.

و الرواية ظاهرة في كون المال الفائت، الدين. و هو مصرّح به في رواية أخرى و هي ما رواه الشيخ في «كتاب الشركة» عن عبد اللّه بن سنان: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا مَالٌ مِنْهُ دَيْنٌ وَ مِنْهُ عَيْنٌ فَاقْتَسَمَا الْعَيْنَ وَ الدَّيْنَ فَتَوِيَ الَّذِي كَانَ لِأَحَدِهِمَا مِنَ الدَّيْنِ أَوْ بَعْضُهُ وَ خَرَجَ الَّذِي لِلْآخَرِ أَ يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ قَالَ نَعَمْ مَا يَذْهَبُ بِمَالِهِ »[46]. و روى أيضاً عن عليّ بن الحكم، عن بعض أصحابنا، عن أبي حمزة: «قَالَ سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلَام عَنْ رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا مَالٌ مِنْهُ بِأَيْدِيهِمَا وَ مِنْهُ غَائِبٌ عَنْهُمَا فَاقْتَسَمَا الَّذِي بِأَيْدِيهِمَا وَ أَحَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ نَصِيبِهِ الْغَائِبِ فَاقْتَضَى أَحَدُهُمَا وَ لَمْ يَقْتَضِ الْآخَرُ قَالَ مَا اقْتَضَى أَحَدُهُمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا مَا يَذْهَبُ بِمَالِهِ»[47] و مثلهما روايتان أخريان.

و دلالة الروايتين الأخيرتين على المطلوب، أوضح من سابقيهما. و إرسال الرواية و ضعفها لا يضرّ مع انجبارها بعمل الأصحاب و اعتضادها بسایر الروايات و الإجماع المنقول و ما سنذكره من القاعدة.

و وجه الدلالة: أنّ كلمة «ما» یفيد العموم باتّفاق القائلين بكون ألفاظ العموم حقيقةً فيه. و هو يشمل ما لو كان الدّين عند رجل واحد، و ليس فيها ما يدلّ على كونه عند رجلين، كما نزّل ابن إدريس الرواية عليه و أوّلها به، و قال: «إنّ الدين إذا كان عند رجلين فكلّ ما يكون عند كلّ منهما يشترك فيه كل واحد من الشريكين، فإذا أخذ أحدهما تمام ما عند أحد الرجلين، فقد أخذ حصّته و حصّة شريكه. و لا وجه له، و لا مصحّح له، و لا شيئ يوجب هذا الاستحقاق إلّا اقتسامهما للمال. و لا ريب أنّ ذلك الاقتسام باطل لأنّه قسمة لما في الذمّة، و هو باطل عند المشهور.

و جواز رجوع الشريك في ذلك لا يوجب جواز الرجوع في ما لو أخذ حصّته فقط. كما هو مفروض المسئلة».

و أنت خبير بأنّ الرواية ظاهرة في العموم. و یدلّ على موضع النزاع بظاهرها و عمومها، فهي حجّة. مع أنّه لا ينحصر التأويل في الرجلين و لا أخذ تمام [الحصتین][48]، فإنّه يمكن أن يكون للشريكين مال مشترك في ذمّة‌ رجل غائب، بعضها فضّة و بعضها ذهب، أو بعضها حنطة و بعضها شعير، فيحيل كلّ واحد منهما بعض ما عند الرجل الغائب، بالآخر، فأحدهما يقبل الذهب و الآخر الفضّة (أو نحو ذلك) بعد تسويغهما و تراضيهما على ما هو مقتضى الشركة، فيأخذ أحدهما نصيبه و يبقى الآخر. فیحصل القسمة الباطلة أيضاً.

و قد يكون القابض قد قبض نصف ما أحاله عليه في الصورة السابقة و لم يقبض التمام أيضا. و فرض المسئلة فيه واضح. و الرواية دالّة عليها بعمومها من جهة عموم كلمة «ما» و ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال. و لو فرض ظهور السؤال في اقتضاء تمام [الحصتین]، فالجواب عامّ. و العبرة بعموم الجواب[49]، لا بخصوص السؤال. كما هو محقّق في محلّه. فإذا ظهرت دلالة هاتين الروايتين على المطلوب، فیعضدهما الروايتان المعتبرتان أيضاً. مع أنّ توجيه الرواية و تأويلها، لا يصلح إلّا مع ترجيح المعارض و كونه أقوى. و لا معارض هنا لهما، لما ستقف على ضعف أدلّة ابن إدريس، فضلاً عن كونها أقوى.

و لنا أيضاً: أنّ كلّ جزء ممّا في الذمّة، مشتركۀ بينهما بالفرض. فكلّما حصل منه كان بينهما. هكذا استدلّ المشهور. ثمّ إنهم قالوا: يجوز لكلّ واحد من الشركاء مطالبة حقّه منفرداً. بلا خلاف. و ادّعى عليه الإجماع في المسالك[50]. و کذا یجب أداء الغريم حقّه حينئذ. و كذلك إذا لم يختر الشريك مشاركة‌ القابض، يختصّ المال بالقابض، بلا إشكال. و كذلك لو تلف المال في يد القابض قبل إجازة الشريك، فقد تلف عليه، بلا إشكال و لا يشاركه الشريك في الخسارة.

و قد أورد على دليلهم و على هذه المقدّمات، أبحاث. و استشكل المقام جماعة من فحول الأعلام. للزوم التنافي بين تلك القاعدة و هذ[ه] المقدّمات. [فأنا] أذكر أوّلاً ما ظهر لي في تحرير مقالتهم بحيث لا يرد عليهم بشيئ ممّا ذكروا. ثمّ أذكر الأبحاث و الأدلّة على مذهب ابن إدريس.

فأقول: إنّه لا ريب في كون الدين المشترك، أمراً كليّاً في ذمّة المدين، لا يتعيّن على سبيل كونه نفس المال المشترك و لا بعضه، بعنوان البتّ و اللزوم و التنجيز، إلّا بتعيين الغريم و قبض الشريكين معاً، أو وكيلهما. أمّا تعيينه على سبيل كونه المال المشترك أو بعضه، فضولاً و معلّقاً، فلا يتوقّف على رضاهما معا بالفعل، بل يصير ذلك مراعى؛ فإن حصل الإجازة من الآخر، فقد تمّ كونه بعض المال المشترك بعنوان البتّ و اللزوم. و إلّا فلا. و بعد تعيينه لصيرورته بعض المال المشترك بتّاً؛ فإمّا أن يرضى الشريك بأن يكون بينهما، و إمّا يجعله بعد ذلك للقابض و يجعل حقّ نفسه عند الغريم. فيؤل إلى تقسيم العين و الدين، و لا غائلة فيه.

فحينئذ نقول: إنّ الغريم إذا أعطى من ماله بمقدار نصف المجموع للقابض، فقد وطّن نفسه على أحد الأمرين: أوّلهما كونه من باب بعض المال المشترك مراعى و متزلزلاً كالبيع الفضوليّ، بأن يكون التعيين لازماً من قِبَله و جایز[اً] من قِبَل الشريك الذي لم يقبض، و لازماً ‌للقابض بقدر حصّته إن أجاز الشريك. أو بتمامه، إن جعله الشريك بعد الإجازة، قسمة له. و رجع هو إلى الباقي في ذمّة الغريم. و الثاني كونه من مال نفسه جعله موضوعاً من أمواله، لأن [یحصلَ][51] به البرائة عن الحقّ و إن كان بعنوان المقاصّة و المحاسبة عن الحقّ بعد عدم لحوق الإجازة.

و بهذا التقرير یتمّ جميع المقدّمات و لا يحصل التنافي بينها و بين دليل المشهور و مذهبهم. فإنّ مرادهم من قولهم «إذا قبض أحد الشركاء حصّته، شاركه الآخر» أنّه يجوز للآخر مشاركته. لا أنّه یحصل له المشاركة بالفعل. فلا ينافي ذلك أنّه لو أتلفه كان من مال القابض. لأنّ المال حينئذ قابل لأن يصير للشريك بالإجازة. و له حقّ فيه و هو جواز الرجوع إليه و [اختیاره][52] في عوض ماله. لا أن يكون هو نفس ماله أوّلاً، و لمّا كان القابض أخذه مع رضاه بأن يكون من باب المال المشترك فيكون ذلك لازماً بالنسبة إليه (و إن كان متزلزلاً بالنسبة إلى الشريك) فأقدم على إتلاف المال المشترك.

فلمّا كان الغريم أيضاً لم تبرء ذمّته بعدُ من أداء المال المشترك بالنسبة إلى الشريك الآخر، فيبقى حقّ الشريك الآخر بالنسبة إليه أيضاً. فيجوز الرجوع إلى القابض لأنّه مقرّ بأنّه أخذه من باب المال المشترك بعنوان البتّ و اللزوم. [فـ]المراد أنّ له مطالبة حقّه في الجملة.

و لا ينحصر وجوب الأداء في الغريم أيضاً في الأداء على كونه من باب المشترك على سبيل البتّ و اللزوم، حتّى يقال إنّه لا يجوز ذلك له فكيف يقال إنّه یجب عليه. بل المراد وجوب الأداء في الجملة، و لا ريب أنّه متمكّن من الأداء بحيث لا يرجع إليه خسارة و لا نقصان، لإمكان أن يعطي ماله مردّداً بين الأمرين المتقدّمين فیحصل برائة نفسه. و لا یجب برائة الذمّة بخصوص أن يجعل المال من باب الحقّ المشترك بعنوان البتّ. فإذا لم یلحق الإجازة من الشريك، فلا ريب أنّه يتعيّن المال حينئذ للقابض، لكن‌ لا بعنوان المال المشترك (كما يظهر من المسالك) لأنّ صيرورته كذلك موقوف على رضاء الشريكين. بل لأنّه يؤل إلى أحد المحتملات الّتي وطّن الغريم نفسه عليها، و هو أنّه يصير حينئذ ممّا رضي الغريم بأن يقاصّ القابض حقّه به.

و لا يذهب عليك: أنّه ليس هذا من باب الحيلولة في اختصاص القابض بالمقبوض بالمصالحة و الهبة و نحوها. كما سيجيئ. بل لما يتضمّن المقام احتمالات، هذه أحدها و قد أقدم عليه الغريم.

إذا تحقّق لك هذا على سبيل الإجمال، فاستمع للإشكالات الواردة على المشهور، و تأمّل في ما ذكرته حتّى یندفع لك بحذافيرها على سبيل التفصيل: فمنها: أنّه إذا وجب الأداء بالمطالبة بحقّه، وجب ألا يكون للشريك فيه حقّ. لكن المقدّم حقّ اتفاقاً، فالتالي مثله. بيان الملازمة: أنّ وجوب الأداء فرع تمكّن دفعها على أنّها للشريك. و مع ذلك يمتنع أن يكون للآخر فيه حقّ. و يدفعه: أنّ وجوب الأداء إلى الطالب لم يثبت بعنوان أن يكون للشريك من باب البتّ على أن یكون حصّۀً من المشترك على ما يجب؛ و هو إيفاء حصّته المقدور للغريم بالقدر المشترك ما بين مصالحته على حقّه بشيئ، أو بمبايعة على وجه يصحّ و يسلم من الرباء، أو غيرها من المعاوضات مثل أن يبرئه من حقّه و استوهب عوضه، أو أحال به المديون بما عليه و كان كالقبض، أو نحو ذلك ممّا يمكن به المخلَص أوّلاً، و يختصَّ به القابض بما قبضه.

[و][53] بين كونه من باب المال المشترك‌ مراعى بالإجازة؛ فإن أجازه، رجع بتتمّة حقّه إلى الغريم. و إلّا فيثبت تمامه له[54]، و يحاسبه على ما له في ذمّته. و لا حرج في ذلك على الغريم و لا يوجب ذلك خسارة و نقصاناً.

و لمّا لم [يُجرِ][55] الغريم هذا المعاملة بعنوان أحد المعاوضات أوّلاً، حتّى يختصّ به أوّلاً، فقد أقدم على الأداء من باب الحقّ المشترك فضولاً. [فـ]هو من باب البيع الفضولي؛ لازم من قِبله بالنسبة إلى الشريكين. و لازم من قِبل القابض بالنسبة إلى الغريم. و متزلزل بالنسبة إلى الشريك الآخر. فإن أجازه الشريك، فيلزم من قِبله أيضاً و يصير من باب الحقّ المشترك و يكون بينهما. و إن لم يُجز، كان مختصّاً بالقابض من باب عوض حقّه، و لم يصر[56] بذلك من الحقّ المشترك.

فالإجازة كاشفة عن الانتقال إلى الشريك الآخر أوّلا. و يتبعه النماء (على المختار في الفضولي). و عدم إجازته كاشفۀ عن انتقال المجموع أوّلاً إلى القابض فيكون ملكاً له في أوّل القبض و يتبعه النماء. لأنّ ذلك هو لازم أداء الحقّ في هذا المقام.

و بالجملة: مطالبة القابض جایز بدون شرط. لا بشرط أن يكون بخصوص كونه بعض المال المشترك و أن يكون مختصّاً به. فإنّه لا يجوز جزماً. و أداء الغريم واجب في الجملة و لو في ضمن أداء النصف على سبيل كونه من الحقّ المشترك، لكن لا بعنوان أن يكون بعنوان المشترك بالفعل بعنوان البتّ. بل مراعى بإجازة الشريك الآخر. فلو اختار ذلك و أراد بذلك برائة ذمّته من حقّ القابض، فكونه مراعى يقتضي أحد أمرين: إمّا إجازة الشريك و رجوعه إلى الغريم بنصف حقّه. أو عدمه و بقاء المجموع للقابض في عوض تمام حقّه الذي في ذمّته.

فإن أراد الاستخلاص في أوّل الأمر، فلا بدّ أن يجعله من باب أحد المعاوضات المذكورة. و مع عدم ارتكاب ذلك؛ فلمّا لم يجب على الغريم أداء ما فوق مقدار حقّ القابض، فأمره فيما أعطاه مراعى يؤل إلى أحد الأمور الثلاثة:

إمّا إجازته للقبض ثمّ جعل الجميع للقابض، و اختيار الباقي لنفسه. و بهذا يتمّ حقّ القابض.

و إمّا بعد[م] الإجازة، فيبقى الجميع للقابض من باب رضاء المالك بذلك لو لم يجز الشريك.

و إمّا مع الإجازة و قبول الشركة، فيكون بينهما و يرجعان إلى الغريم بالنصف الآخر.

و ممّا ذكرنا يظهر دفع إشكال آخر من الإشكالات. و هو أنّه: لو كان للشريك في المقبوض حقّ و لم يكن مختصّاً بالقابض (كما اختاره ابن إدريس) فيلزم تجويز الشارع تسليط الشارع الشخص على قبض مال غيره بغير إذنه. و هو قبيح. و ذلك أنّ القبح إنّما يسلّم في ما لو سلّط الشخص على مال الغير الثابت المالية. و أمّا ما يصلح أن [يکون] مالاً بنحو الإجازة، مع التزام الغريم لأداء حقّه لو لم يرض بذلك، فأيّ قبح فيه. بل هو حقيقة تسليط الشخص على مال نفسه. غاية الأمر جواز رجوع الشريك الآخر إلى ذلك المال و كونه مختاراً في جعل حقّه في أحد الأمرين: أحدهما هذا المال. و الآخر ذمّة الغريم.

فإن قلت: كيف الحال إذا كان الغريم جاهلاً بعد[م] جواز إعطاء نصف المشترك القابض بعنوان البتّ و اللزوم، فإذا أعطاه كذلك، فهو تسليط على مال الغير.

قلت: جهله بذلك لا يوجب تحقّق مال الغير فيه بالفعل. كما لا يوجب صيرورته بأجمعه للقابض بتّاً و بعنوان اللزوم. و لا مدخلية للعلم، و القصد، و النيّة في الأسباب الشرعية غالباً (سيّما في المعاملات) فيترتّب علیه ما يترتّب في نفس الأمر.

و منها: أنّه لو كان ما أخذه القابض مشتركاً بينه و بين الشريك الآخر، فيجب أن یبرء ذمّة الغريم من حقّ الشريك بمقدار نصف ما أخذه القابض. مع أنّهم يحكمون بكون الشريك الآخر مخيّراً بين رجوعه إلى القابض و إلى الغريم. و هو ينافي كون نصف المقبوض مال الشريك و كون المال مشتركاً بينهما.

و وجه الدفع: أنّهم لم يقو لوا بصيرورته بالقبض مشتركا بينهما بالفعل بعنوان البتّ و اللزوم، بل يقو لون بأنّ له أن يشاركه و أن لا يشاركه و يرجع إلى الغريم.

و منها: أنّه لو نهاه الشريك عن قبض حقّه، فإن تمكّن من المطالبة بحصّته، وجب أن لا يكون للشريك فيها حقّ، و إلّا امتنع أخذ حقّه بمنع الشريك إيّاه.

أقول: قوله «و إلّا امتنع» إن كان معطوفاً على قوله «وجب» فيصير المعنى أنّه إن كان للشريك فيها حقّ امتنع للقابض أخذ حقّ نفسه، لأنّ كلّ ما يأخذه فهو مشتمل على مال الشريك، و أخذه غير جایز لمنعه إيّاه. فيكون أخذه لحقّه غير جائز مطلقا، و المفروض أنّكم تقو لون بجواز مطالبته حقّه إجماعاً. فتثبت شركة الشريك في ما أخذه. و حاصله يرجع إلى بيان الملازمة بين ثبوت التالي من أجل ثبوت المقدم. فنقول في دفعه بمنع الملازمة. و بيانه: أنّ جواز منع الشريك عن أخذ حقّه، إنّما هو في ما يساوي نصيبه من النصف أو الثلث (مثلاً) و [منعه] عن أخذه مطلق الحقّ المشترك المشاع بعنوان البتّ و اللزوم. أمّا منع أخذ ما يمكن أن يصير مالاً له بالإجازة، أو غير ذلك من أخذه بعنوان المعاوضات، فلا يجوز، إذ الناس مسلّطون على أموالهم. فإذا وطّن الغريم نفسه على الغرامة لو لم يرض الشريك، فأيّ مانع لإعطائه ماله للقابض؟ و أيّ مانع للقابض من أخذه؟ فمنع الشريك عن قبض حقّه لا يوجب سقوط حقّ الرجوع إليه و جواز اختيار [الشریك][57] القابض في ما قبضه بأن يرجع القابض أيضاً إلى الغريم في ما سَوِىَ ما أدّاه إلى الشريك.

و في معنى ما ذكر؛ رخصة القابض في أخذ مقدار نصيبه لنفسه. فإنّه في معنى إسقاط حقّه عن ذلك النصف و اختيار ما يبقى في ذمّة الغريم. فإنّ ذلك أيضاً لا [يو]جب سقوط حق الرجوع. فإنّ تقسيم ما في الذمّة باطل و لا لزوم فيه حتّى يمنع جواز اختياره للرجوع ثانياً.

و إن كان معطوفاً[58] على قوله «فإن تمكّن»، فيصير المعنى؛ و إن لم يتمكّن من المطالبة، فيلزم امتناع أخذ الحقّ بسبب منع الشريك. مع [أنّ] المفروض جواز أخذ الحقّ بالإجماع. فيرجع ذلك إلى بيان ثبوت المقدّم.

و دفعه أيضاً بمنع الملازمة، على ما مرّ.

و منها: أنّ المقبوض إمّا أن يكون مالاً مشتركاً أو لا. فإن كان مشتركاً وجب على تقدير تلفه أن يتلف منهما (كسائر أموال المشتركة) و تبرء ذمّة الغريم منه. و إلّا لم يكن للشريك فيه حقّ.

و جوابه ظاهر ممّا مرّ. فإنّا نقول: إن أردت الاشتراك بالفعل لزوماً، فنختار الثاني و نقول ليس له فيه حقّ في عين المال بعنوان اللزوم و البتّ بالفعل. و إن أردت قابليّته للاشتراك و صلاحيته له بعد لحوق الإجازة، فنختار الأوّل و نقول إنّما يلزم كون التلف منهما و برائة ذمّة الغريم بعد الإجازة و التمكّن و الاستقرار. لا قبله.

إذا عرفت هذا فاعلم: أنّ ما ذكرناه من [قاعدة] [59] المشهور (و حرّرناه على الوجه الذي لم أقف عليه في كلام أحد من قبلي)[60]، مطابقۀ مع دلالة الأخبار. و يظهر ذلك بعد التأمّل الصادق.

و أمّا المنافات المتوهّم بين مقتضى الروايات، و مقتضى ما حرّرته من قاعدتهم و فتویهم؛ من أنّ مقتضى الرواية كون ما أخذه القابض مشتركاً بينهما بالفعل على سبيل اللزوم، و مقتضى القاعدة على ما حرّرناه جواز شركة الشريك للقابض لا كونه شريكاً بالفعل.

فيدفعه: أنّ الرواية مفروضة في صورة هلاك أحد النصيبين فلم يبق للشريك محلّ يرجع إليه. بخلاف ما نحن فيه. مع أنّه يمكن أن يقال: كما أنّه يجوز في مورد الحديث، للشريك العفو عن القابض و إبرائه عمّا أخذه، فیكون شركته في المال بالنسبة إلى الأصل، متزلزلة بالنسبة إلى عفو الشريك و عدمه. فكذلك في ما نحن فيه شركة الشريك في الأصل ثابتة بالنسبة إلى قبول الشريك. فلو فرض هلاك الغريم و جميع أمواله بعد إعطاء ما يساوي حصّة القابض، فيصير الحال مورد الحديث.

و أمّا الفرق من جهة التلف و الإتلاف؛ فهو أيضاً منتف. إذ حكم المشهور في مورد الفتوى و القاعدة (بكون التلف راجعاً إلى القابض مطلقا سواء تلف من قِبل اللّه أو من قِبل نفسه) وجهه أنّ يده عارية. لا بمعنى كونها غاصبة حتّى يرد أنّ المفروض جوازه. بل بمعنى أنّ اليد موجب للضمان كيف ما كان، حيث أخذها لنفسه، [ا]و أخذ المال المراعى كون بعضه للشريك، [ا]و أخذه على أن يكون مشتركاً في الجملة، فعلى اليد‌ ما أخذت حتّى تؤدّي. بخلاف مورد الحديث، فإنّ يد الآخذ هنا يد تامّۀ مالكية، لا يضمن فيه إلّا بالتفريط، و الفرض عدمه.

و لو فرض [فی هذا البحث، مورد الحديث و القاعدة أيضاً، و رخصة][61] الشريك للآخذ، فلا يترتّب عليه ضمان لو كان التلف من غيره و لم يفرّط هو فيه[62]. و أمّا لو أتلفه هو، فيثبت له فيه حقّ [الشریك] و يتعيّن الرجوع إلى القابض إن هلك الغريم و ماله. و يبقى له حقّ الرجوع إليه لو بقي فی ذمّة الغريم بحاله[63]. فیکون هذه الصورة من باب مورد الحديث.

و استدلّ ابن إدريس بوجهين: الأوّل: أنّ لكلّ واحد منهما أن يبرء الغريم من حقّه (و يهبه، و يصالحه على شیئ منه) دون الآخر. و متى أبرئه، يبرء من حقّه و إن بقي حقّ الآخر. و كذا إذا صالح عليه. فكما لا يشترك مَن لم يُبرء مَن أبرء، في الإبراء و يبقى تمام حقّه له. و إذا استوفى الآخر حقّه لم يشاركه الشريك المُبرء [و] المصالح في شيئ، بلا خلاف. فكذلك لا يشترك من لم يأخذ، مَن استوفى فی مقدار حقّه.

و لا يخفى ضعفه و ما يرد عليه من منع الملازمة.

و الثاني: أنّ عين المال الذي كان شركة بينهما، ذهبت و لم يستحقّا في ذمّة الغريم (الذي هو الدين) عيناً لهما من أعيان مال الشركة حتّى يقاسمه شريكه فيه[64]. هذا لفظه.

و فيه: أوّلاً: أنّ الكلام لا ينحصر في الأعيان، بل قد يكون ديناً في أوّل الأمر. كما لو كان أبو الشريكين أجيراً للغريم و بقي الاجرة في ذمّته. و ثانياً: أنّ مقتضاه أنّ ما في ذمّة الغريم ليس مشتركاً.

و [ان قیل]: إذا كان مشتركاً، فلا يتعيّن إلّا بقبض المالك أو وكيله. و المفروض أنّ الشريك الآخر لم يقبض هو و لا وكيله.

و جوابه: أنّ ما في الذمّة هو عوض العين المشترك، و لا يمكن منع اشتراك الحقّ هنا، لبداهة بطلانه. و الظاهر أنّه أيضاً لا يرضى بذلك و ليس مراده هذا[65]. بل غرضه أنّه يتعيّن بالقبض و لم يحصل في حقّ الشريك. و جوابه: أنّه و إن لم يتعيّن كونه حقّاً للشريك بالفعل، بسبب عدم حصول القبض. و لكن من أين تعيّن ملكيّة القابض للحقّ المشترك بمجرّد قبضه؟ و القبض (لو سُلّم سببيّته للتعيين) إنّما [یوجب التعیین][66] إذا انضمّ إليه قبض الآخر، فهو جزء العلّة. و جزء العلّة و إن كان انتفائه موجباً لانتفاء المعلول، و لكن وجوده لا يوجب وجود المعلول بانفراده.

و قال في المسالك: و إنّما يأتي الخلاف في ذلك مع حلول الحقّين معاً، فلو كان حقّ أحدهما مؤجلاً؛ إمّا بالعقد الأوّل، أو باشتراطه في عقد لازم، لم يشارك الآخر في ما قبض قبل حلول الأجل. لأنّه لا يستحقّ الآن شيئاً. و تمكّنه من تأجيله، يقتضي جواز قبض الحصّة منفردة، لاستلزامه تميّز حصّته من حصّة الآخر. و كذا لو ضمن الضامن لأحد الشريكين حصّته، فإنّ الضمان صحيح، لتناول الأدلّة، فيختصّ بأخذ المال المضمون من الضامن. و هو يقتضي إمكان أخذ الحصّة منفردة عن الأخر، كما تقدّم[67].

أقول: و يظهر من هذا الكلام، أنّه يدّعي الوفاق في جواز هذه الثلاثة، أعني مسئلة التأجيل، و مسئلة الضمان، [و جواز اخذ الحصۀ منفردۀ]، و تصحيحها مستلزم لإبطال قول المشهور من عدم اختصاص الحصّة بالقابض من المال المشترك لو أخذها منفرداً. فإنّ التأجيل في الحصّة هو عين تمييز الحقّ و الأخذ منفرداً. و كذلك الأخذ من الضامن. فانّا نقول فیه: أمّا تأجيل أحدهما في العقد الأوّل؛ فهو فی معنى تعدّد العقد. فإنّ زيداً و عمرواً إذا اشتركا في فرس، و باعاه ببكر؛ أحدهما حالاً و الآخر مؤجّلاً. فهو في معنى بيع فرسيهما في صفقة واحدة بثمنين، فوكيل الشريكين في الفرس المشترك يقصد بالصفقة الواحدة بيع حصّة زيد حالاً و حصة عمرو مؤجّلاً. و هذا ليس من باب المال المشترك.

و أمّا تأجيل أحدهما (بعد الاشتراك) في ضمن عقد لازم؛ فلا نسلّم صحّته من باب تمييز المال المشترك من حيث هو المال المشترك. بل إنّما نسلّم جعل حقّه الذي في ذمّته من باب المال المشترك، حالاً بما يساويه من عين مال الغريم مؤجلاً بسبب الشرط في ضمن العقد اللازم. و من جملة الحيل التي أشرنا إليها.

و أمّا مسألة الضمان: فالمسلّم من الضمان هنا هو تعهّد «مثل حصّة الشريك»[68] في الذمّة. و لا يلزم في صحّة الضمان حينئذ أن يراد به نقل ما في ذمّة الغريم من حصّة الشريك من المال المشترك. و ذلك نظير قول راكب الفلك لبعض اهله «الزمناک في البحرو انا ضامن». مع أنّا نقول: لو سلّمنا كون الأمثلة المذكورة فی ما نحن فيه، فإن ثبت الإجماع على صحّتها، فهو المخصّص للقاعدة. و إن لم يثبت، فلم یقم حجّة علينا.

الثانية:[69] لو ادّعى اثنان داراً في يد ثالث بسبب موجب للشركة، كالميراث. فصدّق المدّعى عليه أحدهما على مالكيته [لنصف الدار]، كان النصف المصدّق عليه، بينهما و إن لم يصدّقهما على السبب. من جهة إقرارهما و اعترافهما على ما يوجب الشركة، لا من جهة مجرّد إقرار‌ ذي اليد. فلا يوجب تخصيص ذي اليد أحدهما بالإقرار، اختصاصه به. كما لا يخفى.

و إن صالح المقرّ له مع ذي اليد، النصف المقرّ به، [بـ]شیئ. فإن رضي به الشريك، فكان العوض بينهما. و إلّا صحّ في الربع، لا غير. و كذلك البيع و غيره. هكذا ذكره الأصحاب.

و اعترض في المسالك عليهم بأنّ ذلك مخالف لقاعدتهم من «عدم تنزيل البيع و الصلح على الإشاعة». فإنّ من كان في يده ملك و كان نصفه من الغير[70]. إذا باع نصفه مطلقا، انصرف إلى نصفه المملوك، لا نصف المجموع بعنوان الشياع. بخلاف الإقرار، فإنّه ينزّل على الشياع. فإنّ من أقرّ نصف ما في يده للغير، ينصرف إلى نصف المجموع على سبيل الشياع. لا على نصفه المختصّ به. فلو وقع الصلح أو البيع حينئذ على النصف الذي أقرّ به ذواليد، فينزّل على نصف الجميع، لا نصف المختصّ بالمقرّ له في نفس الأمر. و يشترك مع الشريك بسبب إقرار الشريكين أيضاً. فإنّه أیضاً منزّل على الشياع.

و أمّا لو صالح المقرّ له مع ذي اليد، على النصف مطلقا، أو على النصف المختصّ به، فينزّل على ملكه فلا يشاركه الشريك الآخر. و نقل عن الشهيد و المحقّق الشيخ عليّ تنزيله على حصّة المقرّ له مطلقا أيضاً.

و أنت خبير بأنّه لا [وجه] لهذا الاعتراض و لا وجه لما ذكره(ره). فإنّ المفروض وقوع المعاملة على النصف المقرّ له، فلا وجه للتفصيل و الترديد. مع أنّه لو أطلق أيضاً لا يصحّ الحكم بتنزيله على ملكه مطلقا. إذ المفروض عدم ثبوت النصف له خالصاً حتّى ينزّل عليه و ينصرف إليه. و ما ذكره من المثال؛ فالفرق بينه و بين ما نحن فيه واضح. لثبوت النصف هنا له‌ دون ما نحن فيه. إذ هو بإقراره للشريك اعترف بكون الشريك شريكاً في كلّ جزء من الأجزاء، فلم يتخلّص بعدُ له شيئ حتّى يحكم باختصاصه به. إذ تصديق ذي اليد أحدَهما، هو إقرار على نفسه و هو يخرج النصف عن يده. و لكن لا يوجب إثبات جميعه للمقرّ له، لمسبوقيّته بإقراره لشريكه المقتضي لاشتراكه في كلّ ما يحصل.

و إرادة المقرّ له في المصالحة و المبايعة، تنزيل المعاملة على النصف، و قصده في نفسه ذلك المختصّ به، لا يوجب اختصاصه به. مع كون ما وردت عليه المعاملة من الطرفين هو النصف المقرّ به. و لا يعتقد ذو اليد [الاّ]خصوصية النصف [للمقرّ له][71].

و [لو] ذكر المقرّ له لذي اليد، أنّ «لي نصف مجموع المال[72] في نفس الأمر، و أنّ شريكي أيضاً معترف بذلك، و أنا أصالحك على حقّي الذي في نفس الأمر». و وقع المصالحة على ذلك أيضاً، فيختصّ حينئذ بالمقرّ له. و يصير هذا من باب أحد المعاملات التي قدّمنا ذكرها في المقدّمة السابقة للحيلة في إثبات الاختصاص و التخلّص من المشاركة في ما يأخذ. و لا غائلة فيه. فالاعتراض الذي ذكره في المسالك [من][73] أنّ الصلح و البيع ينزّل على حقّه إن أراد ذلك، فلا نزاع فيه. و لكن ذلك لا حاجة فيه إلى تنزيل و تأويل، بل المصالحة أو البيع، إنّما وقع على المختصّ. و هو خلاف مفروض المسئلة.

كما أنّ ما ذكره الأصحاب و فرضوا المسئلة فيه، هو ما وقع الصلح على النصف الذي أقرّ به ذو اليد. فإنّه لا مجال لتنزيله على الاختصاص. لأنّ الإقرار منزّل على الإشاعة. و هو يوجب شراكة الشريك معه في الرّبع.

و الحاصل: أنّ مصالحة مطلق الحقّ الذي يدّعيه على ذي اليد، غير مصالحة ما أقرّ به لأحدهما. و موضوع المسئلة مختلف و حكمهما مختلف. فالقبض و المعاملة الواقعين على ما يدّعيه في المال المشترك، مع عدم إقراره، يقتضي المشاركة. و الصلح‌ و المعاملة الواقعين على ما يدّعيه في المشترک و المختصّ به، يقتضي اختصاصه به.

و عمّا ذكرنا يعرف لو ادّعيا ديناً مشتركاً في ذمة ثالث؛ و أقرّ بنصفه لأحدهما. فبمجرّد اعترافهما بالمشاركة يشتركان في المقرّ به. أمّا لو صالح المقرّ له الحقّ الذي له في هذا الدين، أو نصفه الذي له في نفس الأمر و بإقرار الشريك مع ذي اليد، فهو مختصّ به. كما عرفت.

و الذي دعی الشهيد الثاني(ره) الی الغفلۀ و صدور هذا الاعتراض عنه، تصادف دعوى المقرّ له مع إقرار الشريك و ذي اليد. فلم يبق مجال لمنع اختصاص النصف به. إذ هو ادّعى النصف و أقرّ له الشريك و صدّقه ذو اليد. فهو [إن صالَحَ][74] مورد الإقرارات الثلاثة، فيختصّ به.

و وجه الخلط و الاشتباه؛ أنّ إقرار الشريك إنّما وقع على نصف المال بمعنى أن كلّ واحد منهما مستحق لأخذ نصف المال لو سلّم اليهما بأجمعه و رفع عنه الموانع. أمّا لو فرض كونهما ممنوعين عن ذلك المال إلّا في نصفه، فلا يقرّ أحدهما بأنّ نصف مجموع المال حينئذ للآخر. فليس هذا مورد الإقرار في شيئ. فلم يُفهم من إقرار الشريك إلّا القدر المشترك. فتأمّل، تفهم.

إذا تمهّد هذا فنقول: لمّا ثبت من الإجماع و الأخبار و الأصل، عدم جواز اليمين على حقّ الغير و عدم ثبوته [به]، فلا بدّ [للحالف][75] حينئذ أن يختصّ دعواه عن الاشتراك و يُخصّص [بنفسه][76] حتّى يجوز له الحلف و يثبت له المدّعى. و ذلك لا يمكن إلّا بصرف الدعوى عن القدر المشترك إلى الحقّ الذي له في نفس الأمر. و لا يتمّ ذلك إلّا بجواز الإخراج، و تجويز الشارع إيّاه. فإنّ مقدّمة الجایز جایز. و لا يتمّ جواز الحلف إلّا بجواز صيرورة الحقّ مختصّاً. فيصير ذلك بمنزلة المصالحة على الحقّ النفس الأمري في المال المشترك. و مصالحة حقّ الدعوى و نحو ذلك ممّا مرّ من الحيل الموجبة لاختصاص الحقّ.

فاليمين إنّما هي حينئذ على محض ما يدّعيه من المقدار على المدّعى عليه، من‌ حيث إنّه حقّه و نصيبه. و لا ريب أنّ له حقّاً و نصيباً من هذه الدعوى لا يشاركه الآخر فيه. و لذلك یجوز له المصالحة، و الحوالة، و الإبراء، و غير ذلك.

و نظر الأصحاب لعلّه إلى ذلك حيث أطلقوا عدم الاشتراك هنا مع فتویهم في أخذ النصيب من المال بما أفتوا. كما عرفت.

و بالجملة: ما ذكروه في مسئلة إقرار ذی اليد لأحد الشريكين، أنّهما يشتركان فيه، إنّما كان بسبب كون [الاقرار بنصف] المال الذي أقرّ كلّ منهما بشراكة الآخر في نصفه. فيكون النصف بينهما. و لم توجب إقرار ذی اليد لأحدهما خروجه عن المال المشترك. و لكن مشروعية اليمين هنا موجب لإخراج المدّعى به من المال المشترك، و التمسك، بمجرّد الحقّ الذي يختصّ به من الدعوى في هذا المال. فاليمين إنّما هو مثبت لهذا الحقّ و هو مختصّ به.

و ما ذكره في المسالك من الإشكال؛ بأنّ اليمين كاشف عن استحقاقه الثابت. و سبب الملك إنّما هو الإرث و نحوه.[77] ففيه: أنه كاشف عن حقيقة دعویه عن استحقاقه ما يدّعيه، لكن بعنوان أنّه حقّه و مختصّ به. لا القدر المشترك. فليتأمّل؛ فإنّ ذلك دقيق.

و ظهر ممّا ذكرنا [عدم الفرق فی المسئلۀ] بين العين و الدّين.

لا يقال: إنّ العين إذا أخذ الشريك نصفها، فهو الذي أقرّ لشريكه بمشاركته فيه. فمن جهة إقراره على مشاركته في الأصل، مستلزم لذلك.

لأنّا نقول: قبل التداعي كان الشريكان معترفين بأنّ لكلّ واحد منهما النصف الشایع من الجميع في نفس الأمر. و يلزمه بالالتزام التبعيّ أن يكون لكلّ منهما الربع لو حصل نصفه و تلف [النصف] الآخر. فإذا‌ جوّز الشارع اليمين لأحدهما مع نكول الآخر، فكأنّه أسقط مقتضى الدلالة الالتزامية التبعية، و أورد اليمين على نفس المدلول المطابقي. كما [لو] لم يعترفا أوّلاً بالمشاركة بذكر سبب موجب لذلك بل قال كلّ منهما «أنا مستحقّ النصف الشایع من ذلك». فإذا أسقط الشارع اعتبار الإقرار على هذا الوجه، فلا يبقى إلّا دعوى ثبوت أصل النصف في نفس الأمر. و أيضاً فإنّ نكول الآخر يسقط حقّه عن أصل المال، لا عن ذمّة المدّعى عليه فقط. فيزاحم هذا، مقتضى الدلالة التبعية و [عليّته][78]. فيختصّ الحالف.

لكن هذا إنّما يتمّ في ما لو لم يكن أحد المدّعين، مولّى عليه، أو غائباً. كما سيجيی.

و لا يقال: إنّه لا منافات بين إثبات اليمين حقَّ الحالف لا غير، و بين لزوم الشركة من جهة الإقرار السابق. فالجهتان مختلفتان.

لأنّا نقول: الإقرار إنّما أثبت الحقّ في نفس المدّعى به، لا في ذمّة المقرّ. و اليمين أيضاً إنّما وقع في استحقاق نفس المدّعى به[79]. فلا يتمّ إلّا مع إسقاط مقتضى الإقرار من حيث الدلالة التبعية.

ثمّ قال في المسالك: و لو فرض حلف الآخر بعد ذلك، فإن كان قبل الدفع إلى الأوّل، فلا كلام. و إن كان بعده، ففي مشاركة الثاني له وجهان؛ من وجود السبب المقتضي للشركة. و سبق الحكم باختصاص الأوّل بما حلف عليه و قبضه. و یظهر الفائدة في المشاركة في النماء الحاصل قبل يمين الثاني[80].

أقول: و على ما حقّقنا، لا وجه للاحتمال الأوّل، بل يتعيّن الاختصاص بالأوّل. کما ذكرنا. و يتبعه النماء. و ذلك لا ينافي بقائه على الإشاعة لو لم تفرز بعدُ. و من هذا يظهر دفع ما قد يتوهّم [انّ][81] «ثبوت حقّ الحالف بحلفه على ما ادّعاه مع إقراره بما يوجب الاشتراك في المال، يوجب ثبوت حقّ غيره، فيثبت ذلك من باب الاستلزام»‌. إذ لا ملازمة في نفس الأمر، لاحتمال الإبراء، و الأداء، و النقل الشرعيّ. فلا دليل يدلّ على المشاركة من العقل و النقل، لا في نفس الأمر و لا في الظاهر.

ثمّ: لو كان بين المدّعين بالشاهد [الواحد، مولّی][82] عليه، فلا سبيل إلى إثبات حقّه قبل كماله. لأنّ اليمين لا تقبل النيابة. بل توقّف نصيبه إلى أن يكمل و يحلف مع شاهده. و لا يجوز انتزاعه من المدّعى عليه، لأنّه لم يثبت خروجه عن ملكه.

قال في المسالك: «و في مطالبته بكفيل، وجه. تقدّم مثله في ما لو أقام المدّعي بيّنة و توقّفت على التعديل. و الأقوى العدم. لأنّ سبب الملك لم يتمّ قبل اليمين، و لا وجه لتعجيل تكليف المدّعى عليه بما لم يثبت بوجه. فإذا كمل و حلف، أخذ النصيب». ثمّ قال: «و هل يشارك الحالفَ في ما قبضه؟ وجهان؛ لأنّه قد یثبت بيمينهما كون المدّعى به، ملكاً لهما. فإذا كان السبب مشتركاً كالإرث، فهو مشترك بينهما على سبيل الإشاعة. و من حكم المشترك أنّ ما حصل منهما و ما [توى][83] منهما. و وجه العدم؛ أنّ غير الحالف لم يثبت له قبل يمينه شيئ، و إلّا [لَاستحقّ][84] بيمين غيره، و هو باطل. و من ثَمّ لو نكل عن اليمين، فلا حقّ له و إن كان السبب مشتركاً على ما تقرّر. و الأوّل لا يخلو عن قوّة، لأنّ اليمين كاشفة عن ملكه من حين موت المورث، و إنّما أخّر ثبوته ظاهراً»[85].

أقول: و على ما وجّهنا المقام في تصحيح اليمين، الوجه عدم الاشتراك. و لا ينافي ذلك إشاعة الجميع بين الشريكين. فإنّ المنافع قبل ذلك كان بين الحالف و ذي اليد‌ على الشياع. و الآن[86] یصير بين الشريكين على الشياع. هذا إذا لم نقل بأنّ المسقط لحقّ الشريك، إنّما هو النكول، لا تخلص الحقّ للحالف. و إن قلنا بأنّ وجه اختصاص الحقّ بالحالف إنّما هو نكول الآخر، فلا بدّ أن يقال بجواز الشركة[87] و ثبوت الحقّ له في المشترك. فيرجع في النماء حينئذ إليه أو إلى ذي اليد.

الثالث:[88] قالوا: و یشترط شهادة الشاهد أوّلاً بثبوت عدالته إن احتاج إلى الإثبات، ثمّ اليمين. و لو کان بدأ باليمين (و إن كان بطلب الحاكم ناسياً للترتيب، بعد طلب المدّعى عليه) وقعت لاغية، و افتقر إلى إعادتها بعد إقامة الشاهد. و علّلوه بأنّ المدّعي وظيفته البيّنة، لا اليمين بالأصالة، و اليمين متمّم للبيّنة.

و قال المحقّق الأردبيلي(ره): فيه تأمّل ظاهر. فإن كان هذا إجماع، و إلّا فالظاهر عدم الوجوب، فكيف بالاشتراط. للأصل و عموم ظاهر الأدلّة. و أنّهم (صلوات اللّه عليهم) حكموا بالشاهد و اليمين، و «الواو» للجمعيّة على الأصل.

أقول: الظاهر في المسئلة أنّها كانت إجماعية عندهم، حيث لم ينقلوا خلافاً و نسبوا المخالفة إلى بعض العامّة. قال في المسالك (بعد ما ذكر الحكم من دون ذكر خلاف): «و ذهب بعض العامّة إلى عدم الترتيب بينهما، لأنّ اليمين [منزَّلة] منزلۀ الشاهد»[89]. و الأصل لا يمكن التمسّك به هنا، لأنّ الأصل عدم الثبوت[90]. و أمّا العموم؛ فإن أراد به الأخبار الدالّة على‌ الشاهد و اليمين، فلا عموم فيها. بل [فی] جلّها (بل كاد أن یكون كلّها) قدّم فيها ذكر الشاهد على اليمين، غاية الأمر عدم دلالۀ ترتيب الذكري على وجوب الترتيب، و لكن لا يدلّ على كفاية خلافه أيضاً. فإنّ ثمرة ذلك یظهر في ما لو ثبت إطلاق الحكمين من خارج، فنقول لا يوجب الترتيب الذكري في تخصيص ذلك الإطلاق. و أمّا إذا كان أوّل بيان الحكم، فلا يدلّ على الخلاف. فيرجع في جواز المخالفة إلى الأصل. فهو رجوع إلى الأصل، لا العموم. و قد عرفت حال الأصل.

سلّمنا أنّه لا يفيد إلّا «مطلق الجمعية»، و لكن فتویهم (مع كونه «من باب التوقيفيات») یضعف هذا الإطلاق.

و إن أراد من العموم مثل قوله عليه السّلام «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» فإنّه مطلق. فجوابه أنّ ذلك هو الذي دعاهم إلى القول بتعيين التقديم. فلعلّهم استفادوا من هذا الكلام أنّ وظيفة المدّعي هو البيّنة، بمعنى أنّ إثبات حقّ المدّعي إنّما هو بالبيّنة. فإذا [لزم][91] عليه شيئ آخر من خارج فإنّما يكون من باب المتمّم. و وصف المتمّميّة يحتاج إلى تأخّر وجودها. كما لا يخفى.

و بالجملة: احتمال الإجماع، مع الشهرة بين الأصحاب بحيث لم يظهر منهم مخالف، و كون الأصل [عدمیّاً][92]، و كون القضاء شبيهاً بالعبادات التوقيفيّة، و الشكّ حاصل بدون الترتيب، يكفي في إثبات هذا الحكم.

و الظاهر أنّ اليمين هنا لا يتوقّف على طلب المدّعى عليه. بل هو من باب شهادة الشاهد. نعم يمكن توقّفه على طلب الحاكم كالشاهد.

ثمّ: هل يتمّ الحكم بالشاهد و اليمين. او الشاهد و الیمین شرط للحكم كطلب المدّعي بحكم الحاكم بعد ثبوت المدّعىا. او الشاهد و اليمين شرط له[93]. أو بهما [معاً][94]؟،؟،؟ وجوه و احتمالات؛ أقویها الأخير، لظاهر الأخبار. و یظهر الثمرة في صورة رجوع الشاهد من الشهادة؛ فعلى الأوّل يغرم الشاهد الجميع. لأنّه السبب لتفويت مال المدّعى عليه. و على الثاني فليس على الشاهد شيئ و لكن يغرم المدّعي لو رجع هو [فيردّ][95] كلّ ما أخذه إلى المدّعى عليه. و إن رجع الشاهد [فکذلک] أيضاً. و على الثالث فإن رجع الشاهد فقط فيغرم النصف لأنّه أحد جزئي السبب. و إن رجع المدّعي فيغرم الجميع إن قبضه. و لو فرض أخذ الشاهد للمال حينئذ فيمكن تضمينه الجميع، لترتيب يده عليه و إن رجع عن الشهادة. و قال المحقّق الأردبيلي(ره): و يحتمل التنصيف على التقادير. للمدخليّة. فلا ثمرة للخلاف.



[1] ای: بصبر و انتظار.

[2] تکرار: المصنف(ره) کلّما جاء بحدیث فی طریقه ابراهیم بن هاشم، یسمّیه بالحسنۀ. لکن

المتأخرین المعاصرین اثبتوا انّ احادیث الرجل صحیحۀ و لا اقل من موثقۀ. و لمّا کان جلّ من احادیث الکافی منه فجدیر ان نکرر نحن ایضاً رأی المحققین المعاصرین فیه.

[3] الوسائل، ابواب کیفیۀ الحکم، ب 15 ح 3.

[4] الکافی، الفروع، ج 7 ص 386 ح 6. ط دار الاضواء.

[5] الفقیه، ج 3 ص 33 ب 20 ح 1. ط دار الاضواء.- و: الوسائل، ابواب کیفیۀ الحکم، ب 15 ح 1.

[6] الدین اعم من القرض.

[7] ای: اذا ادعی مدع انّه وصیّ المیت.

[8] سنن البیهقی، ج 10 ص 167 و 175.

[9] التهذیب، ج 6 ص 273 ح 152 ط دار الاضواء.

[10] الوسائل، ابواب کیفیۀ الحکم، ب 14 ح 6.

[11] الوسائل، ابواب کیفیۀ الحکم، ب 14 ح 3.- و الراوی هو حمّاد بن عثمان، لا عمار. کما فی تهذیب، ج 6 ص 275. و الکافی، ج 7 ص 385. و الاستبصار، ج 3 ص 33.

[12] المرجع، ح 1.

[13] المرجع، ح 5.

[14] المرجع، ح 10.

[15] الفقیه، ج 3 ص 54.

[16] المرجع، ب 15 ح 2.

[17] و فی النسخۀ: بالعمدۀ.

[18] و فی النسخۀ: من الاجماع.

[19] و فی النسخۀ: علی.

[20] و فی النسخۀ: الی.

[21] و فی النسخۀ: المطابقۀ.

[22] و فی النسخۀ: یعبر.

[23] کذا فی النسخۀ.

[24] ای الشاهد و الیمین.

[25] ای لا یکفی فیه شاهد و یمین.

[26] لعلّ المراد ما یقال بالفارسیۀ: نامزدی.

[27] و فی النسخۀ: مفوضۀ.

[28] المسالک، ج 2 ص 303 ط دار الهدی.

[29] و فی النسخۀ: هل هی تعبد حکم.

[30] و فی النسخۀ: نفی الفدیۀ.

[31] ای بشاهد و یمین.

[32] و فی النسخۀ: القول بعد بالانتقال.

[33] و فی النسخۀ: و امّا...

[34] و فی النسخۀ: فمنصبه.

[35] هذا مالا یساعده قول المصنف(ره) بل مبناه الذی استدل به فی کتاب المیراث، حیث قال فی مواضع متعددۀ هناک، ان المال یبقی فی ملکیۀ المیت حتی یؤدی دیونه. و قال: المیت یملک کما یملک الکفن.

[36] بل لا یجوز رأساً و اصلاً علی مبناه(ره) فی کتاب المیراث.

[37] لست ادری ما هو مراده(ره) من هذه العبارۀ؛ فهل المراد حلف الوارث لاثبات «ان المال الفلانی هو مال المیت»؟ او ملکیۀ المیت ثابت و الحلف لاثبات «انه ینتقل الی الورثۀ»؟ فمعلوم انّ المقصود هو الاولی، کما هو موضوع البحث. و حینئذ فما مکان کلمۀ «للورثۀ» فی العبارۀ؟ و لیس الورثۀ مالکاً بالفعل قبل اداء الدیون علی مبناه. نعم لو لم یکن للمیت دین اصلاً، ینتقل المال الی الوارث بالفعل، فنفهم معنی العبارۀ. لکن یکون معناه مصداقاً لتوضیح الواضح. لانّه معلوم لا یجوز الزام احد بالحلف لاثبات حق نفسه. و لا حاجۀ الی التمسک بالاصل. بل مستنده قاعدۀ السلطۀ، ای الناس مسلّطون.

فلعله قدس سرّه فی مقام البحث علی مبنی المشهور، لا علی مبنی نفسه.

[38] المسالک،  ج 2 ص 303 ط دار الهدی.

[39] ای نقل صاحب الکفایۀ و صاحب المسالک.

[40] فلو اقرّ احد الشرکین بعدم الدین، او الابراء، سقط حصۀ کلیهما (علی المشهور) الاّ ان یفرض هناک عارض من الخارج.

[41] المسالک، ج 2 ص 303 ط دار الهدی.

[42] و فی النسخۀ: محیذ.

[43] الفقیه، ج 3 ص 23 ح 9 ط دار الاضواء.

[44] الفقیه، ج 3 ص 55 ح 1 ط دار الاضواء.

[45] التهذیب، ج 6 ص 207 ح 9.

[46] التهذیب، ج 7 ص 186.

[47] الوسائل، ج 19 ص 12 ب 6 ح 1.

[48] و فی النسخۀ: الحصۀ.

[49] ای: یشمل الجواب تمام الحصتین و غیرها.

[50] المسالک، ج 1 ص 222 ط دار الهدی.

[51] و فی النسخۀ: تحصیل.

[52] و فی النسخۀ: اختاره.

[53] عطف علی «ما بین».

[54] ای: یکون تمام ما قبضه، للقابض. لانّ الشریک لم یُجز القبض فلیس له شیئ.

[55] و فی النسخۀ: یجز.

[56] و فی النسخۀ: و ان لم یصر..

[57] و فی النسخۀ: الشرکۀ.

[58] ای: و ان کان قوله «و الاّ امتنع» معطوفاً...

[59] ای من قاعدۀ مشهور العلماء. کما یأتی.

[60] حقیق له قدس سرّه الافتخار. آجره الله. حیث کشف الغطاء عن وجوه الاشکالات المعروفۀ فی هذه المسئلۀ، کمال الکشف.

[61] عبارۀ النسخۀ: و لو فرض هذا ای فی مورد الحدیث البحث و القاعدۀ ایضا و حصۀ...

[62] لانّ یده حینئذ ید امانۀ.

[63] اذا رخّص الشریک شریکه فی الاخذ، فید القابض ید امانۀ، فلا ضمان الاّ ان یتلف هو من قِبل نفسه. و لکن لم یبرء ذمّۀ الغریم، لان الشریک ما رخّصه فی الاعطاء، فله الرجوع الیه. و هذا هو المراد من قوله «لو بقی فی ذمّۀ الغریم بحاله».

[64] السرائر، ج 2 ص 403.

[65] ای: لیس مراد ابن ادریس، عدم اشتراکهما فی الحق الذی فی ذمّۀ الغریم.

[66] عبارۀ النسخۀ: و انّما اوجب اد انضم الیه..

[67] المسالک، ج 1 ص 223 ط دار الهدی.

[68] تعهد مثل الحصۀ، لا نفس الحصۀ.

[69] قال(ره): و تحقیق المقام یتوقف علی بیان مقدمتین: الاولی ...

[70] عبارۀ النسخۀ: کان فی یده ملکاً و کان فی نصفه من الغیر.

[71] و فی النسخۀ: المقر له.

[72] ای نصف النصف الذی اقرّ به. فیکون الربع و یقع علی الربع.

[73] و فی النسخۀ: و.

[74] و فی النسخۀ: الا ان یصالح.

[75] و فی النسخۀ: للمخالف.

[76] و فی النسخۀ: بنصفه.

[77] المسالک، ج 2 ص 303 ط دار الهدی.

[78] و فی النسخۀ: بعلّته.- توضیح: ای: فیزاحم مقتضی الدلالۀ و یزاحم علیۀ ذلک المقتضی.

[79] عبارۀ النسخۀ: فی استحقاق نفس الامر المدعی به.

[80] المسالک، ج 2 ص 303 ط دار الهدی.

[81] و فی النسخۀ: اذ.

[82] و فی النسخۀ مکان الکلمتین؛ بها.

[83] و فی النسخۀ: (و کذا فی نسخۀ المسالک): قوی.- الّلغۀ: توی المال: هلک.- التّوی: الضیاع و الخسارۀ.

فالمراد: انّ ما حصل من المال فهو لهما. و ما ضاع من المال و لم یحصل، فهو ضاع منهما.

[84] و فی النسخۀ: لا استحق.

[85] المسالک، ج 2 ص 303 ط دار الهدی.

[86] ای بعد حلف الثانی.

[87] ای: بعد حلف الناکل (او المولّی علیه) بجواز شرکته.

[88] قال(ره): المطلب الرابع فی ما یثبت بالشاهد و الیمین؛ و فیه مباحث: الاول:... الثانی...

[89] المسالک، ج 2 ص 302 ط دار الهدی.

[90] توضیح: مراده(ره) من لفظ «هنا» خصوصیۀ مانعۀ من التمسک بالاصل. و هو انّه یتمسّک بالاصل عند الشک. و الحال انّ الشک فی مسئلتنا ینشأ من قبول الاصل نفسه. فاذا قبلنا انّ الاصل عدم الترتیب فبعد القبول نشک فی الکفایۀ من دون الترتیب. فالشک بعد مرحلۀ التمسک بالاصل و متاخر عنه.

و بعبارۀ اُخری: هذا الاصل عدمّی. فهو فی مسئلتنا «اصل منقطع».

[91] و فی النسخۀ: الزم.

[92] و فی النسخۀ: عدمه.

[93] ای: شرط لطلب المدعی.

[94] و فی النسخۀ: مع.

[95] و فی النسخۀ: فیرجع.